خريطة الموقع السبت 26 يوليو 2014م
توصيات ندوة جامعة القاهرة - كلمة رئيس جامعة القاهرة   «^»  قراءة العبودي  «^»   الدكتور عبدالعزيز الخويطر: الوزير الحازم والأديب المؤلف الذي فقدناه (الجزء الثاني)  «^»   الدكتور عبدالعزيز الخويطر الوزير الحازم والأديب المؤلف الذي فقدناه «الحلقة الأولى»  «^»   كتاب جديد: رسول الله وخاتم النبيين: دين ودولة  «^»   الشيخ محمد بن ناصر العبودي يستعرض تجربته في القراءة بمكتبة الملك عبدالعزيز العامة  «^»  العبودي يلقي محاضرة بمكتبة الملك عبدالعزيز   «^»  بنات وآباء  «^»  في لقاء تنظمه لجنة الأوقاف بغرفة الرياض .. العبودي يروي مشاهد من رحلاته في العالم الإسلامي  «^»  تاريخ أمة في سير أئمة (3-4) جديد الأخبار

ما قيل عن العبودي عميد الرحالين
عرض المقولات

د/ محمد بن عبدالله المشوح
الجزيرة 24/2/2004م

بسبب كتاب (عميد الرحالين)
المشوح يختلف في بعض النقاط التي تناولها أبو حمرا

سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة الأستاذ خالد بن حمد المالك
اطلعت على ما كتبه الأخ الصديق الباحث محمد بن ناصر أبو حمراء في جريدتكم الغراء بالعدد رقم 11448 وتاريخ 10-12-1424هـ حول كتاب (عميد الرحالين محمد بن ناصر العبودي - حياته، إسهاماته، جهوده).
ولقد سعدت باطلاع الزميل محمد على الكتاب وتخصيصه وقتاً لقراءته والتعليق عليه.
إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون لي رأي مخالف لما أبداه الأخ محمد أبو حمراء حول عدد من النقاط التي لم ترتقِ إلى مستوًى من الطرح العلمي العميق الذي كنا نأمله منه، والذي أوجزه بالآتي:
أولاً: ما ذكره من تعليقه على عنوان (عميد الرحالين) ومقارنته بين رحلات الآباء والأجداد على ظهور الدواب وبين رحلات معالي الشيخ محمد العبودي، فتلك مقارنة مع الفارق، ولو أن الأخ محمد أظهر مقارنة واقعية مع بعض الرحالين العالميين لكان أولى وأجدى، مع أن هذا الضيق الذي أبداه الأخ محمد تجاه العنوان لا يحمل معه تبريراً واقعياً علمياً.
ذلك أن الآباء والأجداد الذين سافروا ورحلوا رحلاتهم -أيها الأخ العزيز- كانت محدودة تتناسب مع قدراتهم وحاجاتهم لتلك الرحلات، وكانت لبلاد معروفة، خصوصاً لدينا نحن أهل العقيلات (أهل القصيم). أما رحلات معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي فقد حملت معها هماً دعوياً إسلامياً؛ حيث يتحسس أحوال المسلمين ويتفقد أوضاعهم بنفَس عميق طويل لا يحمل معه ضجراً أو مللاً لما يستحضره إن شاء الله من نية حسنة في هذا المسلك النبيل.
ثم مَن قال لك: إن الشيخ محمد العبودي كانت رحلاته خلواً من المصاعب والمتاعب، والتي كادت أن تودي بحياته مرات عديدة لولا عناية الله وحفظه. وليس عليك سوى أن تراجع وتقرأ تفاصيل رحلاته لتحكم عن علم لا عن جهالة.
ولك أن تتصور رجلاً ذهب إلى مجاهيل العالم ووصل إلى الدنيا من أطرافها، أليست تلك ذاتها مشقة وتعب والسفر وحده قطعة من العذاب؟!
أما عمادته وعنونة ذلك فليس مبالغاً فيه، بل إن ثروته العلمية، وخصوصاً في الرحلات التي تجاوز عددها 106 كتب مطبوعة في الرحلات فقط وأكثر من ستين كتاباً أيضاً في الرحلات جاهزة للطبع، كافية لاستحقاقه العمادة بلا منازع. فلم تعرف الإنسانية حتى اليوم أحداً كتب مثل هذا الكم الهائل من الرحلات. وكنت آمل منك، وأنت الكاتب الباحث الذي يدرك أهمية الوقت وعناء البحث، أن تكون لك عين رضا وحمد وتقدير لشيخنا محمد العبودي وجهوده وبحوثه، وأن تطالب بمزيد من التكريم والاحتفاء؛ لتحتذي به الأجيال وتقتفيه الناشئة في وقت أحوج ما نكون فيه إلى القدوة الحسنة والنماذج الحية الحاضرة والتي ترسم لنا صوراً مشرقة من الحقائق لا من المثاليات.
وإني أجزم لو أن شيخنا كان لدى غيرنا لَوَجَد من الاحتفاء والتقدير أضعاف ما لقيه.
لقد طاف الدنيا ولم يترك جهة في أغوار سيبريا ومقاطعات الصين وولايات الهند والاتحاد السوفيتي السابق وجزر المحيط الهندي والأمريكتين وأوربا وجزر المحيط الهادي وغيرها كثير زارها بلداً بلداً، بل إنه زار أكثر من عدد الدول التي تحت قبة مبنى الأمم المتحدة.
بل أزيدك معرفة أنه زار البلدان ذاتها طرفاً طرفاً ومقاطعة مقاطعة كما فعل في أمريكا والبرازيل والصين والهند وإندونيسيا وغيرها من الدول الكبرى ذات المساحات الشاسعة الواسعة.
أليست تلك بلاد مختلفة الأجواء متعددة الأذواق متباينة الآراء استطاع وخلال أكثر من خمسين عاماً من التجوال والترحال أن يقدم صورة حسنة للسعودي المسلم المعتدل المتسامح في وقت شوهت فيه صورتنا في رحلة واحدة من قبل البعض؟!
فعلى رسلك يا ابن حمراء، وعمادة العبودي لا تحتاج إلى رأيك.
1- أما حديثي عن بريدة، وأنها قاعدة القصيم وسنامه، فلا أعتقد أن هذا يخفاك وأنت الباحث في أحوال البادية والمطلع على نزوح القبائل وما تحتضنه بريدة العاصمة الإدارية للمنطقة من تنوع في ذلك، والتي أحيلك إلى الإحصاءات الدقيقة لسكانها ونحوها، ويسبق ذلك زيارة منك لها لتعرف وعن قرب حقيقة ما أشرت إليه. وهذا لا يغمط مدن المنطقة الكبرى حقها، إلا إذا كنت تعتقد أن أطراف ونواحي ومحافظات عاصمتنا الرياض أكبر من المدينة ذاتها.
2- أما أرض القصيم التي احتضنت خزاز وجبلة وحرب داحس والغبراء وحرب البسوس فلعلك لم تطلع بعد على بعض الكتب المتخصصة والتي تحكي تاريخها؛ مثل معجم بلاد القصيم للشيخ العبودي، وطريق الحج العراقي وأثره على منطقة القصيم للدكتور صالح الوشمي - رحمه الله- والذي سبق أن أثنيت عليه، فلقد ذكروا تلك الحقائق التي غابت عنك آنذاك واستذكرتها اليوم!
3- ما ذكرته عن الأسوار فليس بدعاً؛ فالأسوار عرفت في كافة مدن الجزيرة العربية قبل وبعد توحيدها، فسور الرياض وشقراء والدرعية وغيرها معروفة لا تخفى على أي باحث!!
وليس ثمة ضير أن تحمي بريدة نفسها من هجمات أهل القرى والبلدان المجاورة التي كانت جزيرة العرب قبل توحيدها على يد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- حيث كان الناس في شتى الأطراف يذوقون مرارة الفوضى وغياب الأمن.
4- أما حديثك عن النهضة العلمية، فليست الكلمة فضفاضة كما ذكرت، فالنهوض أعظم وأقوى ما يكون حين يتعلق بالشأن الديني الشرعي؛ لأن به نتوصل إلى الغاية التي خلقنا من أجلها، وهي عبادة الله. وما رُزِئَت أمة الإسلام اليوم إلا حين همشت الأصول، وغيبت بالهوامش، وصارت صنواً لأمم أخرى مظهراً، فلا بالدنيا لحقوهم، ولا بعلوم الدين تمسكوا واحتفظوا. ولا يُفهم من هذا تغييب العلوم التطبيقية الأخرى التي لا تتعارض مع ديننا، بل جاء الحث عليها وعلى تعلمها بعد تعلم العلوم الشرعية الأصل.
5- أما حديثي عن الشعراء العوام، فهو لكثرتهم لا لعدم وجود غيرهم، وقد غاب عن أبي حمراء أسماء عديدة ورد ذكرها في الكتاب وكانوا من شعراء الفصحى.
6- أما ما أشار إليه من كلمة شيوخه الواردة في الكتاب، فهي أفصح وأبلغ، وقد أخطأ في قول: جمع شيخ مشائخ (بالهمز)، بل هذا خطأ فاحش لم يقله أحد من علماء اللغة، ولم يذكره أي معجم من معجماتها، وقد ذكرت بعض المعجمات مشايخ (بلا همز) على أنها جمع لكلمة شيخ، وقد أنكر بعض اللغويين كابن دريد، وقال عنه آخرون: لا أصل له في كلام العرب، وقال بعضهم: إن مشايخ هي جمع الجمع، وليست جمع شيخ. وها أنذا أسوق لك جمع شيخ من كتاب لسان العرب لابن منظور؛ فقد قال في مادة (شيخ): الشيخ.. والجمع: أَشْيَاخ، وَشِيخَان، وشُيُوخ، وشِيَخَة، وشِيخَة، ومَشْيَخَة، وَمِشْيخَة، ومَشْيُوخَاء، وَمَشَايخ، وأنكره ابن دريد (أي أنكر مشايخ جمع شيخ).
وقال مرتضى الزبيدي في تاج العروس: الشيخ: جمعه شُيُوخ بالضم على القياس، وشِيُوخ بالكسر لمناسبة التحتية، وأَشْيَاخ، وشِيَخَة، وشِيخَان، ومَشْيَخَة، ومَشْيُوخَاء، ومَشَايخ، وأنكره ابن دريد. وقال القزاز في الجامع: لا أصل له في كلام العرب. وقال الزمخشري: المشايخ ليست جمعاً لشيخ، وتصلح أن تكون جمع الجمع.. وقيل: مشايخ جمع شيخ لا على القياس، والتحقيق أنه جمع مَشْيَخَة كمَأْسَدة، وهي جميع شيخ، (أي مشيخة).
وذكر العدناني في معجم الأخطاء الشائعة صفحة 137 المشايخ: لكلمة شيخ عدة جموع؛ منها: شُيُوخ وأَشْيَاخ ومَشْيَخَة، ويجمعون تلك الجموع على مشائخ (وهو خطأ) والصواب مشايخ. إذن مشايخ هي جمع الجمع، وليست جمعاً لشيخ، وأما مشائخ بالهمز فهو خطأ فاحش.
7- ما أشار إليه الكاتب من ملاحظات مطبعية أخرى هامشية، فأشكره عليها وأتمنى أن يتم تجاوزها في الطبعات الأخرى.
لكني في الختام أشكر زميلي وصديقي الأخ محمد أبو حمراء على قراءته للكتاب وثنائه عليه؛ مما أعتبره حافزاً ومشجعاً لمزيد من التقدير والاحتفاء لشيخنا العلامة محمد بن ناصر العبودي الذي نذر وقته وجهده وعمره للعلم وخدمة المسلمين فحسب، والذي يحظى بالمحبة والتقدير من كل محب للعلم وأهله، وأن تكريم معاليه في المهرجان الوطني للتراث والثقافة مبادرة مهمة تسجل في سجل صفحات دولتنا المباركة التي ترعى العلماء وتحفظ حقهم.
مع رجائي من الكاتب أن يتم عرض تلك النقاشات العلمية بروح علمية جادة منصفة بعيدة عن الإخلال بالمضامين الأدبية اللازمة في أي حوار.كما أهمس في أذن أخي وزميلي الأستاذ محمد أن يبتعد الكاتب، خصوصاً من أمثاله، بالخوض في النيات والبحث في الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله.
وأن نربأ بأقلامنا عن إثارة الشحناء والنعرات المقيتة التي لا تزيدنا إلا وهناً، ولا يزال الأخ أبو حمراء يدندن حولها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


تمت اضافتها يوم الخميس 16/04/2009 م - الموافق 21-4-1430 هـ الساعة 8:41 صباحاً

د/ حسن بن فهد الهويمل
الجزيرة 17/2/2004م

أدب الرحلة عند العبودي..! 2-2

والعبودي الذي استهل أعماله التأليفية بدراسة (الأمثال العامية في نجد) تخطى هذا الاهتمام، وسبح في معارف متعددة، فكتب في الأنساب والجغرافيا والدراسات القرآنية والتراث، وطبعت له عدة مؤلفات في مختلف المعارف وفي عدة أجزاء، منها (معجم بلاد القصيم) و(أخبار أبي العيناء) و(الأمثال العامية في نجد) و(كتاب الثقلاء) و(نفحات من السكينة القرآنية) و(سوائح أدبية) و(صور ثقيلة) وغيرها، وهو فيها توثيقي ممحص، يضرب الأقوال ببعضها، حتى تنقدح له الحقيقة. فعل ذلك في معجمه الجغرافي عن القصيم. وهو معدود من الموسوعيين، وليس من ذوي الاختصاص، ولكنه حين يكتب في فن ينازع المتخصصين إمكانياتهم. ويكاد (أدب الرحلة) عنده يغطي كل جوانب حياته، وينسي المتابعين جهوده العلمية والعملية وإسهاماته المتعددة في مجالات متنوعة. والذي يلتمسونه في حقل معرفي لا يأتونه من أقطاره، إنه عالم متضلع من التراث العربي بكل تنوعاته العلمية والأدبية. وانقطاعه للتعلم والتعليم وملازمته لكبار العلماء وعمله معهم مكنه من التوفر على الكتب والمراجع التي لم تكن في متناول أنداده، ثم هو رجل إدارة حازم، تقلب في عدة مناصب تعليمية ودعوية، وجاء اهتمامه ب(أدب الرحلة) بعد أن لحق وظيفياً ب(رابطة العالم الإسلامي)، ومكنه عمله الدعوي من الرحلات المتواصلة والمهمات الرسمية المقيدة بأداء المهمة الدعوية على أصولها، وما فضل من جهد أو وقت قضاه في المشاهدات، وتقصي جوانب الحيوات المتعددة لشعوب العالم، وتفحص المعالم والآثار والمتاحف والمناظر الطبيعية وأحوال الشعوب ودياناتهم ومستوياتهم الحضارية والمدنية والاقتصادية. وهو راصد دقيق بعيد عن المبالغة والإغراق في الخيال، وأدبية النص عنده من تلك الخلفية المعرفية في أدب التراث وعيون الشعر العربي، وقد فاقت مؤلفاته المطبوعة مائة كتاب، وله مثل ذلك من المخطوطات، وجل هذه الكتب تمثل (أدب الرحلة) بحيث لم يسبقه أحد في حجم ما كتب في هذا اللون، ومن أسباب تألقه في هذا المجال سفارته المتنقلة، وتوفير كل الوسائل له، وشغفه الذاتي بالرحلة، وحرصه على تدوين كل ما يعن له من مشاهدات وملاحظات. ولقد قال عن نفسه ما يدل على دقة الملاحظة عنده، حتى لكأنه (الجاحظ) في عنايته بأبسط الأشياء، ومن ثم تراه يحتفي بكل التفاصيل، فإذا أقيم حفل تكريمي استوفي فقراته، وإذا ألقي خطاب ساق مجمله، وإذا جلس على مائدة ذكر ألوان الطعام فيها، وإذا دخل سوقاً ذكر طرائق بيعهم وطرائف تصرفاتهم. ولقد تجلت في كتاباته العفوية والبساطة والتقريرية والنمطية والاهتمام بكل دقيق وجليل، فهو بين إقلاع واستواء وهبوط واستقبال وتوديع وجولات رسمية ورحلات خلوية إلى أطراف المدن، لا تقتصر على المواقع الدعوية، وفئات الدعاة والقضايا الدينية، وجولات راجلة يقتطعها من وقت راحته، يدخل الأسواق، ويختلط مع الباعة ولا يتحرج من السؤال عن أي ظاهرة، ينقب عن الآثار، ويتفحص المتاحف، ويستعرض المكتبات، وكتاباته تتسم بالتسجيلية، وكأني به يرصد كل شيء في مذكرة محمولة في جيبه، حتى إذا خلا له المكان أعاد صياغة ما كتب والبسط فيه، ثم الدفع به إلى المطابع، لا ينظر إلا في ترتيب الأحداث والوقوعات، ومن ثم يحصل التكرار، وبخاصة عما يعرض له من مواقف متكررة في المطارات والمطاعم والمساجد والأسواق، وإن كانت له إلماحات سريعة يخلص بها من الرتابة والنمطية، وأكاد استبين محاور كتب الرحلات عنده، فهي تتحدث عن قضايا (الدعوة) و(الأقليات) و(الأجناس) و(اللغات) و(العادات) و(أحوال الشعوب) و(أطرافاً من تاريخهم) و(جغرافية بلادهم) و(أنماط الحياة عندهم) و(الأزياء) و(تصميم المباني) و(أنواع المستعملات) و(أحوال النساء) و(عاداتهن) و(المأكولات) وكل ما يخطر على بالك حتى (الفلكلور الشعبي) حتى (الغناء) و(المغنين) الذين لا يعنيه من أمرهم شيء، ولكنه إذ فرض عليه السماع أشار إلى شيء مما عندهم، وإن لم يهتم بالاستماع، وقد يشير إلى (الرقصات الشعبية) وغيرها، ثم لا يجد حرجاً من التعرض لها على سبيل الوصف، وقد يمعن في وصف النساء وأزيائهن ومحادثاتهن ببراءة وعفة، ومع كل ذلك فإن المحرك الرئيس عنده هموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولأنه يمارس في رحلاته عملاً رسمياً فقد استوفى في كتبه تلك الأعمال تحدث عن (الجمعيات) و(المنظمات) و(جماعات تحفيظ القرآن) و(إعداد الدعاة والأئمة)، كما فصل القول عن الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات وما دار فيها وعن الكلمات التي ألقيت وعن الترحيب الذي يلقاه وعن المهمات التي أنجزها، ولا أشك أن تثار الآراء والأفكار والمواقف تشكل خصوصية في أدائه السردي، ولكن كثرة أعماله، وتركيزه على قضايا الأقليات يفوت على المتابع الوقوف على اللمحات الكثيرة، أو بمعنى آخر الجوانب الأخرى التي لا تسمح مهماته الرسمية الوصول إليها، وقد يضيق المتابعون باحتفائه بالوقوعات العادية المتكررة في كل رحلة. وأسلوب الكاتب يتسم بالوضوح والسلامة، والميل إلى التقريرية، وأشواطه الدلالية تعتمد التجزيئية، وله استطرادات قصيرة - كما وصفه - أحد دارسيه. ولأن أدب الرحلة عنده واكب السفارة الرسمية ومتابعة أحوال المسلمين والأقليات الإسلامية في آفاق المعمورة فقد ارتبطت القضايا والموضوعات بذات الرسالة أو كادت، ومع أننا لا نسلم بذلك على إطلاقه، إلا أننا نجد همه منصباً على قضايا المسلمين والأقليات منهم.
بدأ العبودي الرحلة والكتابة فيها منذ أربعة عقود، وخلال هذه المدة طاف أرجاء المعمورة، ولم يتمكن غيره مما تمكن منه، فالذين كتبوا في (أدب الرحلة)، كتبوا عن رحلة امتدت شهراً أو شهرين لبلد سياحي أو دولة اقتصادية، أما هو فقد امتدت معه الرحلات أكثر من أربعين سنة، وأتت على ما أتى عليه الإسلام، حتى لقد أوغل في البلاد الشيوعية التي لم تكن تسمح بأي تحرك إسلامي، ولعل تسامحه وبعد نظرته ودفعه بالتي هي أحسن ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة فتح له الحدود والقلوب، ولما يزل لا يحط من سفر إلا إلى سفر، ولاهتمامه بأدب الرحلة فقد أعطى نفسه مزيداً من الجهد والوقت ليتعرف على كل شيء. لقد وقف على طبائع الدول والمدن وأهلها وما فيها من أنهار وجبال وأودية وأعراق وعقائد وعادات، وما هي عليه من غنى وفقر، وما هو نظامها السياسي، وتقصي مشاكل الأقليات، ولقد بلغت مؤلفاته في أدب الرحلة قرابة مائة وعشرين كتاباً، طبع منها سبعين كتاباً، وآخر ما طبع له فيما أعلم (القلم وما أوتي في جيبوتي) ولقد شدني من كتبه أولها (أفريقيا الخضراء) الذي صدرت طبعته الأولى عام 1384هـ وكان الأوسع والأدق والألصق بأدب الرحلة، وهو فيما يكتب يعتمد العناوين الجانبية، فله مشاهدات تسجيلية، وملاحظات نقدية، وتساؤلات تعجبية، ومعلومات نقلية، ولا يكاد ينفك من الحديث عن الوسيلة من طائرة أو سيارة أو باخرة أو قطار أو سيارة أجرة، وقد يتحدث عمن يقود تلك الوسائط أو يخدم فيها. وحتى الحفلات والاستراحات والوجبات والجلسات الخاصة أو العملية والفنادق والمساجد والمتاحف والجمعيات يفصل القول فيها، وقل أن يترك الرصد التاريخي والسياسي للدولة أو المدينة التي يزورها، يتحدث عن نباتها وتصميم مبانيها وطبها الشعبي وعادات الزواج وشعائره والأعياد ومناسباتها وملابس الرجال والنساء وما لا يخطر للقارئ على بال، ويكاد يكون الحديث عن الإسلام والمسلمين محور الحديث في كل ما كتب في رحلاته، وهو حريص على اللطائف والمثيرات، يرصدها، وقد يبالغ في تعميق أثرها، وبالذات عند حديثه عن النكسات الاقتصادية، كقوله في كتابه (صلة الحديث عن أفريقيا) (الدجاجة بتيس والتيس ببقرة) فالعنوان لا يوحي بمضمونه، ولكنه يشوق إليه، وله نظرات ثاقبة في أحوال الشعوب وطبائعهم، حتى لكأنه موكل بكل دقيق وجليل في حياة من يرى ويجالس ويحادث، يقول في كتابه (غيانا وسورينام): (ومن أهم ما يميز الهنديات الأمريكيات عن الهنديات الآسيويات كثرة ابتسامهن للرجال وبساطة طباعهن وإسراعهن إلى الاستجابة للحديث) ص96. وهو يخص المرأة بأكثر من إشارة، لها أكثر من معنى، وفوق ذلك فهو كثير التفصيل في وصف التحركات، ويكاد (أدب الرحلة) عنده يتحول إلى سيرة ذاتية في كثير من أحاديثه. وهو بهذا الاستطراد والتنويع يراوح بين (اليوميات) و(المذكرات) و(الخواطر) و(السيرة الذاتية) و(أدب الرحلة)، وقل ان يخلو أي كتاب من صور (فوتوغرافية) ملونة، يكون فيها بين مودعين أو مستقبلين أو مشاركين في رحلة برية أو مهمة رسمية، يصور الأنهار والجبال والأودية والمساجد والأسواق والآثار، وكل ما هو ملفت للنظر، وقل أن يخلو كتاب من حديث عن مسجد، يذكر بانيه ومصممه وما فيه من زخارف، وقد يتحدث مع إمامه ومؤذنه، ويتعرف على ما يمارس فيه من البدع، إن كان ثمة بدع، وحين يصرفه المرافق عن شيء من ذلك، يلح بطلب الوقوف على كل شيء، وإن كان لا يقره، بحيث يصرف المثبط بقوله: -(إنني أحب أن أطلع عليه فالاطلاع مهم في هذه الحالة التي ربما تكون فرصة ولو في المستقبل بتبصير هؤلاء المخرفين المنحرفين) ص88 من كتاب (في شرق الهند) وهو يوزع كتبه إلى مجاميع حسب القارات أو التكتلات السياسية (أفريقية) و(أوروبية) و(هندية) و(آسيوية) و(أمريكية جنوبية) و(بلقانية) و(أسترالية) و(روسية) و(سيبيرية) وكيف لا يصنفها إلى مجاميع جغرافية، وهي تنيف على المائة كتاب، وكل مجموعة تنيف على عشرة كتب، وأحسب أن (رحلاته الهندية) تفوق كل رحلاته، فهي تفوق العشرين كتاباً، طاف بها شرق الهند وشماله وبلاد الهند والسند، وهو يطلق على كتبه مسميات أخاذة، ففي رصده لرحلاته إلى (مولدوف وأرمينيا) يطلق عليها (مواطن إسلامية ضائعة) أو (تائه في تاهيتي) أو (من بلاد القرنشاي إلى بلاد القيرداي) أو (سطور من المنظور والمأثور عن بلاد التكرور)، وهو في اختيار العناوين وتركيب العبارات ذو أسجاع مستساعة.
والعبودي من الكتّاب الذي يهتمون بتدوين المعلومات والملاحظات ما دق منها وما جلَّ، دون تكلف أسلوبي أو معاضلة تعبيرية، وما فيه من صياغة أدبية فصيحة فإنما هي قدرة ذاتية وكسبية، فالمؤلف عالم بالتراث، ومؤلف قبل أن يفرغ لأدب الرحلة، والمتابع لكتبه لا يقدر على تصنيفه لا جغرافياً ولا اجتماعياً، ولا سياسياً، ومن ثم فهو أقرب إلى الموسوعيين. والمؤلف متوفر على القيم العلمية والأدبية، ولكنه توفر عفوي، واللغة التي يعتمد عليها ويتوسل بها لغة فصيحة سليمة، لا يعمد فيها إلى التزوير ولا إلى التنفيح، ولكنه يكتب على سجيته، وكأنه يتحدث إليك، وذلك سر الإكثار وسر القبول، فلو كانت له عناية لغوية أو أدبية أو معرفية، لكان أن قل عمله وانفض سامره. ومع العفوية فقد احتفظ بمستوى أدبي ولغوي ومعرفي يجعله في مصاف غيره من الرحالة، وإذ لا تقدر على تصنيفه من بين الرحالة فإنك لا تجد منهجية محددة، ولا خطة في التأليف صارمة، يدون ملاحظاته، ثم يعود إليها ليبسط القول فيها، وخطة الكتابة عنده مرتبطة بتنقلاته، ومنهجيته تراوح بين الوصف والتحليل والنقد والسرد الحكائي، وهو الراوي والبطل، وقل أن يتحدث بضمير الغائب، أو أن يدع لمتحدث آخر ليأخذ زمام المبادرة إلا ما يأتي من حوار. ومهما اختلفنا معه أو اتفقنا فإنه الرحالة المتمكن من آلياته، الشمولي في تناولاته، المضيف في معلوماته. لقد ترك للمكتبة العربية والعالمية وثائق معرفية متعددة، قلَّ أن تكون حاضرة المؤرخين أو الجغرافيين، وهو بما خلَّف من معارف، وأنجز من أعمال، وقام به من مهمات تعليمية ودعوية جدير بالتكريم والاحتفاء. والمهرجان الوطني بهذا التكريم يعبر عن مشاعر العلماء والأدباء والقراء، وينهض بواجب وطني، فالعلامة معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي علم من أعلام التربية والتعليم ومن الدعاة الناصحين، ومن العلماء المتمكنين، ولما يزل ثر العطاء، تختزن ذاكرته مشاريع معرفية متعددة، وكتاباه في الأمثال والجغرافيا خير شاهد على توثيقه وتقصيه، نسأل الله له مزيداً من الصحة والتوفيق.



تمت اضافتها يوم الخميس 16/04/2009 م - الموافق 21-4-1430 هـ الساعة 8:18 صباحاً

د/ حسن بن فهد الهويمل
الجزيرة 3/2/2004

أدب الرحلة عند العبودي 1/2
يوم لا أنساه، والأيام المحفورة في الذاكرة كثيرة منها المفرح، ومنها المترح، ومنها المخيف، ومنها المطمئن.. تتجاوز في أعماق النفس بتناقضاتها الصارخة، ومتى عفت مع تطاول الزمن، جاءت المناسبات كما السيول التي تجلى الطلول.
وتكريم العلاَّمة معالي الشييخ محمد بن ناصر العبودي في المهرجان الوطني أعاد لي يوماً يفصلني عنه نصف قرن، خمسون عاماً، إنه زمن طويل، ولكنه لم يستطع طمس أحداث ذلك اليوم، فكأن بيني وبينها ساعة من نهار.
في صبيحة الخامس عشر من شهر صفر عام 1374هـ لملمت أطرافي المبعثرة، وغسلت وجهي المغبر، ولا أستبعد أنني استعرت عباءة وجذاء، ودفعت بكل هذه الملفقات إلىمكتب طيني صغير، يقبع في أقصاه رجل مهيب الجانب، تزينه وضاءة العلم، ويملؤه حنو المعلم، إنه العلاَّمة محمد العبودي، كنت يومها في السنة الرابعة الابتدائية، وكان لدى (المعهد العلمي) إذ ذاك مرحلة تمهيدية، يقبل فيها المتفوقون، ليدرسوا في المرحلة التمهيدية.
لم أكن متفوقاً، ولكن والدي جار جنب لفضيلته، ومازال الرسول يوصي بالجار، حتى كاد أن يورثه. نظر إليَّ كما لو كان يتقرأ ملامحي، ثم دفع بي إلى المراقب ليلحقني بالصف الأول تمهيدي، وكان حقي أن ألحق بالصف الثاني، ولكنه قوَّم أشيائي، ولم يقوِّم معارفي، فكان أن ضاع من عمري عام دراسي. هذا اليوم الاستثنائي في حياتي أدخلني إلى عوالم لم أكن أعهدها من قبل.
وبعد سنتين أو ثلاث جاءت زيارة الملك سعود- رحمه الله- إلى القصيم ومن ضمن برنامجها زيارة المعهد, فكان أن تقلدت مكبر صوت، لأهتف بكلمة واحدة (يعيش جلالة الملك) يرددها من ورائي الطلاب المصطفون على جانبي الطريق، لقد مكثت أسبوعاً أردد هذا الهتاف وأسبوعاً أطبقه، وساعة العسرة تلعثمت، فقلت:(يعيش جلالة الملوك) فكان أن سيئت وجوه المدربين، وارتبك المرددون من ورائي، ولم يشف نفسي، ويذهب سقمها إلا تلك التلويحة المخلصة من يد جلالته، مشعرة بالاستلطاف، مع نظرات حانية من خلف نظارة جلالته السميكة، ولكن الخوف ظل يساورني من مدير يقدم بين يدي مساءلته للمخالفين والمقصرين صفعةً على خد نحيف، وأحسب أنه لم يسمع ما سمع غيره، فمرت الحادثة بسلام.
لقد عودنا الانضباط والطاعة، وكانت له أياديه البيضاء في التأسيس للتعليم، وتعويد القراءة في (مكتبة المعهد) التي تعهد بإنشائها وإمدادها، وكانت انطلاقتي القرائية منها ومن (المكتبة العامة).
إنها ذكريات عذاب، وإن لم تكن على شيء من اليسار ورخاء العيش وآثار النعمة.
وحنين الإنسان أبداً إلى زمن البراءات والتطلعات، فالراكضون في عقد السبعينات- وأنا منهم- يصحبون الدنيا بملل وضيق، وإن طال أملهم، وأحبوا دنياهم.. ولأن حديثي عن جانب من حيوات المحتفى به، فإنني سأضرب صفحاً عن ذكريات العذاب والمقدمات المهمة من حياة المختفى به، لأدخل إلى (أدب الرحلة) عنده.. ومعالي الأستاذ (محمد العبودي) عالم وأديب ومثقف، له اهتماماته التاريخية والجغرافية والأدبية، وله نشاطاته التعليمية والدعوية، ولقد اسعفته ظروفه العلمية والعلمية، فكان أن استثمر كل لحظة من حياته، تعلماً وقراءةً وكتابةً.. ويأتي ( أدب الرحلة) في مقدمة إنجازاته التأليفية كثرةً، واتساعاً، واشتهاراً.. إذ عرف (العقاد) مفكراً وهو شاعر، فقد عرف(العبودي) رحالة، وهو العالم المتعدد الاهتمامات والقدرات والمؤلفات. ذلك أن عمله الرسمي تعانق مع اهتمامه بالرحلة وآدابها.
وقبل مباشرة الحديث عن هذا الفن السردي المعرفي، نور الإشارة إلى (أدب الرحلة) بوصفه لوناً من ألوان السرديات, تتنازعه معارف متعددة، فهو كما الثقافة, يأخذ من كل شيء بطرف، إذ يكون تاريخاً أو جغرافيا أو علم اجتماع أو علم سكان أو سيرة ذاتية، أو ما شئت من أنواع السرديات العلمية والأبداعية.. والرحالة وحده القادر على إعطاء (أدب الرحلة) عنده نكهة خاصة، تميزه عن غيره ممن كتب في هذا اللون.
فما(أدب الرحلة): فنيّاً وتاريخيّاً وموضوعياً؟ ومن هم أعلامه؟ وما نصيب الحضارة الإسلامية من هذا القول السردي؟.. وحديثي عن علم من أعلام هذا الأدب يقتضي اللمحة دون البسط، إذ لست بحاجة إلى الرصد التاريخي لهذا الفن، وفي الوقت نفسه لن أطيل الوقوف على الأبعاد الفنية وتحولاتها، ذلك أن (أدب الرحلة) واكب الوعي الإنساني، واختلط بعلوم: (الجغرافيا) و(التاريخ) و(السياسة).
ولم يكن علماً مستقلاً، وإن أشير إليه عرضاً في دراسة الأعمال أو الشخصيات.
لقد كان لكل حضارة نصيب من هذا الفن، ولا أحسبنا بحاجة إلى الدخول في ضوائق المفاضلة أو الريادة, فالرحلة لصيقة بالإنسان، وحديثه عما لقيه فيها من نصب، وما شاهده من أشياء يأتي عفوياً.
والشعر العربي يفيض برصد ما يعانيه الشعراء المسافرون، في ظعنهم وإقامتهم، ولكن تسجيل معاناتهم، وما يتحدثون عنه من راحلة ورحلة وأطلال ومحبوبة وموارد مائية وجبال شاهقة وأودية سحيقة: غائرة الماء أو واقعاً في صميمها، ومطالع القصائد العربية القديمة لا تخرج عن وصف ما يمر به الشعراء، وما يقفون عليه من إقواء وعفا وأحجار وملاعب وأطلال ومواقد وبقايا معاطن، ولقد تقصاها دارسون ك (حسين عطوان) و(وهب رومية) وآخرون، غير أن ما نحن بصدده يختلف تماماً عن الرحلة في الشعر العربي، وعن المطالع الطللية أو الخمرية.
فالشعر لا يحفل بالمشاهد والمواقف إلا بقدر ما تنطوي عليه من ذكريات مرّ بها الشاعر، ثم هو يتحدث عن الصحراء لمجرد أنها ظرف مكاني للقاء متخيل أو حقيقي مع محبوبة حقيقية أو وهمية.
و(أدب الرحلة) اتخذ مستويين إجرائيين: مستوى الرواية الشفاهية، ومستوى التدوين. والشفاهي سابق على التدوين، ولكل حضارة بداياتها الحضارية في عمق التاريخ، ولكل علم بداياته العفوية. فلقد كان الراحلون من كل نحلة وعصر وعنصر يتحدثون إلى بعضهم كما يقول الشاعر:
(أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا.... وسالت بأعناق المطي الأباطح)
وإذا عادوا إلى ديارهم، رووا لمن خلفهم ما لقوه في سفرهم من نصب، وقد يبالغون فيما يلقونه ويشاهدونه، ثم إن المتلقين عنهم يعيدون ما سمعوه للمتعة أو للاعتبار، فكان (أدب الرحلة) شفاهيّاً كأي بداية معرفية أو فنية، وحين بدأ التدوين، دونت العلوم والمعارف الجغرافية والتاريخية، واختلط (أدب الرحلة) فيها، ثم اتخذ سبيله إلى التميز والاستقلال، وما أن أسهم الرحالة في الكتابة حتى مالوا شيئاً قليلاً إلى (أدب الرحلة)، فكان أن تخلق هذا الأدب، كما الأجنحة في الأرحام، وامتاز عما سواه من فنون الكتابة، والرحلة غير الاغتراب، ف (المهجريون) وطائفة من (العقيلات) كما يسميهم النجديون، خرجوا من ديارهم ولم يعودوا، ومن ثم نشأ (الأدب المهجري) و(أدب الاغتراب)، وقد يتداخلان مع (أدب الرحلة).. و(الرحالة) غير (المهاجر) وغير (المغترب)، فالرحالة ينطلق في مهمة ليعود إلى بلده.
ولقد خلفت لنا كل الحضارات الإنسانية مخطوطات، يمكن أن تكون بدايات لهذا الفن السردي.
ففي كل حضارة، وعند كل أمة رحّالتها وهواة المغامرات فيها.. قيل إن كتاب (بوزانايس): (جولة في بلاد الإغريق) المؤثر الأول في (أدب الرحلة) وهو قد ظهر في القرن الثاني الميلادي، والحشد المعرفي لهذا الكتاب لم يجعله المؤسس الأول لهذا الفن، بل جاء من بعده مؤرخون وجغرافيون أسسوا لهذا اللون من السرديات، إذ خصوا (أدب الرحلة) بكتب مستقلة، لا تتسع إلا لما يدخل في هذا اللون من الأدب حسب مفهمومه الحديث، وفي القرن الرابع الميلادي تجلت التقاليد الأدبية (لأدب الرحلة)، كان ذلك على يد (إكسينفون) في كتابه (أنابيزيس) ، وميزة هذا العمل- كما يرويه المطلعون عليه- تتمثل في أمانة الوصف، وفي احترام القيَّم الفنية.
والراصدون لهذا النوع السردي الحفيون به, يتعقبونه في مظانه عصراً عصراً، حتى العصر الحديث، يرصدون للتحولات السردية والدلالية، يؤرخون لهذا اللون ولرجالاته، ويصفون فنياته وموضوعاته، ولما أن جاء عصر النهضة وأصبح معه( أدب الرحلة) نوعاً أدبياً متميزاً، له سماته وخصائصه وطرائف أدائه، نهض في تكوينه الرحالة والمكتشفون والمستشرقون والمناديب وذوو السفارة السياسية والدينية والعلمية، وساعدت وسائل الموصلات والاتصالات المتطورة على توسيع قاعدته ومشمولاته, أصبح هذا اللون أدباً وعلماً في آن، وتعددت فصائل المهتمين به والمستثمرين له، وكاد أن يختلط ب (اليوميات) و(المذكرات) و(الذكريات) و(السيرة الذاتية)، وفي خضم هذا الزخم، عرفت الآداب: (الأوروبية) و(العربية) عمالقة في (أدب الرحلة), ومن تعقب ذلك عند من كتب عن (أدب الرحلة) عرفهم بأسمائهم وبأعمالهم، وعرف الأهداف والدوافع والنتائج، فطائفة من الدارسين ذيلوا كتبهم بمسارد للرحالة ولكتبهم ولمن سبق من الدارسين لهذا الفن.والرحلة وسيلة وليست غاية، ومن الرحالة من حركته الأطماع السياسية أو الاقتصادية أو الدينية، ومنهم من استهوته الرحلة وحب الاطلاع, وقلَّ أن ينفك التدوين عن الأهداف والنوايا والرغبات: السيئة أو الحسنة، ولكن (أدب الرحلة) حين يصاغ باقتدار ينفصل عن خصوص السبب إلى عموم الفائدة، فيكون العمل إبداعاً إنسانياً، تمتد إليه الأيدي دون النظر إلى الدوافع والرغبات.
ولقد أومأ كثير من الدارسين إلى أنواع كثيرة في (أدب الرحلة) وإلى اهتمامات متعددة، جعلت هذا الأدب شيقاً ومفيداً، إنه أدب واقعي، يحمل رسال معرفية، وإن كان ثمة إمتاع فإنما هو إضافة يوفرها تمكُّن الكاتب من لغته ومن فنيات السرد، هذا إذا استبعدنا (الرحلات السندبادية) ورحلات المغامرات التي تعتمد على الخيال، وقد تمتد إلى الخرافة والأسطورة، وهذا اللون لا يدخل فيما نحن بصدد الحديث عنه.. ولأهمية (أدب الرحلة) فقد ألفت عنه كتب عدة تعمدت التأريخ لهذا اللون أو التنظير له أو الدراسة التطبيقية لبعض الرحالة ورحلاتهم.
أعرف من هؤلاء (شوقي ضيف)، و(حسين نصار)، و(الحسن الشاهدي) ،و(حسني حسين)، و(علي مال الله)، و(جورج غريب)،و(حامد النساج) ،و (عواطف نواب). كل هؤلاء ومثلهم معهم لم يكتبوا أدب رحلة، ولكنهم درسوا هذه الظاهرة، ونظروا وأرخوا لها أو درسوا كتاباً في الرحلة دراسة تطبيقية.
أما الرحَّالة الذين خلفوا للثقافة العربية والعالمية كتباً في الرحلة فأكثر من أن يحصروا.. وممن اشتهروا في هذا الفن في القديم (ابن حوقل)، و(المقدسي) و(المسعودي) و(البيروني) و(ابن جبير) ومئات غيرهم. وفي العصر الحديث ( الطهطاوي) و(الآلوسي) و(عبدالله فكري) و(الشدياق) و(البستاني) و( طه حسين) و(هيكل) و(حسين فوزي) و(أمين الريحاني) و(أنيس منصور) وآلاف سواهم، ولكل واحد طرائقه واهتماماته ودوافعه فمن متعمد للتسيلة، ومن مهتم بالفائدة، ومن متحرر من كل القيود، ومن ملتزم محتشم، ومن كاتب بلغة أدبية، ومن كتب بلغة علمية.
أما على مستوى (أدب الرحلة) في المملكة السعودي، فقد استوفى جانباً منه الأستاذ(عبدالله بن أحمد حامد آل حمادي) في رسالته الأكاديمية(أدب الرحلة في المملكة العربية السعودية)، وفيما يتعلق بأدب الرحلة عند العبودي فقد تقصاه الأستاذ(محمد بن عبدالله المشوح) في كتابه المطبوع حديثاً(عميد الرحالة محمد بن ناصر العبودي)، وممن كانت لهم كتب في(أدب الرحلة) من علماء المملكة العربية السعودية وأدبائها ومؤرخيها فهم: العلاَّمة(حمد الجاسر)، و(أحمد عبد العفور عطار)، و(عاتق البلادي) و(عبدالعزيز الرفاعي) و(عبدالعزيز المسند) و(عبد القدوس الأنصاري) و(عبدالعزيز الرفاعي) و(عبدالله بن خميس) و(علي حسن فدعق) و(فؤاد شاكر) و(محمد السديري) و(محمد عمر توفيق) و(يحيى المعلمي)، وآخرون.. وهؤلاء يتفاوتون في مستوياتهم واهتماماتهم، ولكنهم جميعاً لم يتميزوا بما كتبوا في أدب الرحلة، بمثل ما تميز به (العبودي) لا من حيث الكثرة العددية التي لم تسبق، ولا من حيث التقصي والشمول والتنوع، وقد يتفوق بعضهم على بعض بأسلوبه أو بتبويبه أو بعمق ثقافته أو بدقة معلوماته.



تمت اضافتها يوم الخميس 16/04/2009 م - الموافق 21-4-1430 هـ الساعة 8:09 صباحاً

صلاح الزامل
13/11/1424هـ
الشيخ الرحالة العبودي وجهوده في إثراء المكتبة الشعبية


الأستاذ الرحالة الفقيه الشيخ محمد بن ناصر العبودي من هؤلاء العلماء والأدباء الذين يعملون بصمت دائم لا يبحثون وراء الشهرة والإعلام بجميع وسائله وان المثقف والقارىء ليعجب كيف تفرغ لهذه المؤلفات الضخمة في الأدب والتراث وكتب الرحلات وطبيعة عمله عدم الاستقرار والمكوث في مكان معين دائما حيث يتطلب عمله التنقل بين أرجاء العالم الإسلامي والأقليات المسلمة في البلاد الأخرى لتقديم المساعدات من رابطة العالم الإسلامي فهو الأمين المساعد للرابطة لقد أصبح السفر والتحليق بين اجواء العالم هو طبيعة الشيخ العبودي والبرنامج السنوي لحياته ومع هذا التنقل انه لم ينس ان يثري المكتبة العربية من انتاجه الأدبي والشعبي فهو أول من قدم للقراء والباحثين موسوعته الشهيرة الأمثال العامة في نجد فقد صدر الجزء الأول عام 1379ه وتقديم الشيخ حمد الجاسر رحمه الله كما ذكر ذلك الباحث العراقي د. علي جواد الطاهر ت 1417ه ثم قامت دار اليمامة بمساعدة دارة الملك عبدالعزيز بنشر هذا الكتاب وجاء في خمسة أجزاء وطبع سنة 1399ه وهو يحتوي ثلاثة آلاف مثل مرتبة على الحروف مع شرح ألفاظها ورد عاميها إلى الفصيح وابراز شواهدها من الآثار والأشعار والأقوال القديمة ومقارنتها
بالأمثال العامية في الأقطار العربية. ولا تلك ان هذا الجهد في جمع ما تناثر من الأمثال النجدية ليعد عملا قيما ونفيسا من استاذنا العبودي وفقه الله عز وجل وهو لاشك انه كان يعد لهذا الكتاب وهو في مسقط رأسه مدينة بريدة ثم ان شيخنا العبودي في احدى احاديثه عبر الصحف قد طور كتابه هذا وبلغ سبعة أجزاء وعنوان موسوعته الأصول الفصيحة للأمثال الدارجة وهو مهيأ للطبع اما الجانب الجغرافي التاريخي البلداني فهو كتاب معجم بلاد القصيم وقصة هذا الكتاب تبدأ ان الشيخ حمد الجاسر قد أعلن عن مشروعه المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية وذكر الشيخ حمد ان الجزء السادس من المعجم وهو من الأجزاء التي تحت الطبع وعنوانه بلاد القصيم بقلم محمد بن ناصر العبودي فكان نصيب الرحالة العبودي بلاد القصيم وبلاد عالية نجد للشيخ المحقق سعد بن جنيدل وبلاد اليمامة للشيخ عبدالله بن خميس وشمال المملكة والمنطقة الشرقية للشيخ حمد الجاسر رحمه. وقد صدر الجزء الأول من كتاب معجم بلاد القصيم عام 1399ه وبعدها بمدة ليست طويلة صدر الكتاب في ستة مجلدات يبدأ بحرف الألف وينتهي الياء على طريقة شيخ البلدانيين ياقوت الحموي ت 626ه رحمه الله.
وقد طبع الكتاب طبعتين وهو أول كتاب يتعمق في جغرافية بلاد القصيم ومواقعها خطا فيه شيخنا حفظه الله منهجا علميا دقيقا وحيث يذكر الموقع وما قاله علماء البلدان الذين ذكروا هذا الموقع من قبله موردا الأشعار من الفصحى ولم ينس شيخنا الاستدلال بالشواهد الشعرية الشعبية وإيراد القصص والحكايات التي ننقلها عن طريق المشافهة من الرواة والاخباريين واساطين الأدب الشعبي وإذا كان هناك ثمة معركة أو موقعة أو حدث تاريخي في هذ الموقع بينه للقارىء وقد قال لي الصديق الأديب عبدالرحمن السويداء ان الشيخ العبودي في كتابه معجم بلاد القصيم قد ارتسم طريقا علميا موفقا وتربع مكانة كبيرة لدى العلماء والأدباء حيث انه يصل إلى الموقع بنفسه ويطبق أقوال القدماء في هذا الموقع ويورد ملاحظاته على اقوال المتقدمين من أهل العلم. انتهى كلام السويداء.
هذان الكتابان الأمثال العامية والمعجم الجغرافي لبلاد القصيم استحق الأولية والسبق قبل ان يطرقه الباحثون فاستحق الريادة في هذا الشأن رغم ان الشيخ العبودي ذو رحلة واسعة كما قلنا في مقدمة المقال إلا انه استطاع ببركة الوقت ودقة تنظيمه ان يستمر في هذا الانتاج المثمر والطيب الذي يعود بالنفع للأمة حتى رحلاته لم تكن تذهب سدى اداء للعمل الرسمي يؤدي ما طلب منه فقط بل صيّر هذه التكاليف المرهقة إلى تشخيص حالة ابناء العالم الاسلامي والأقليات المسلمة وما يعانونه من بؤس وشقاء وهموم الدعوة والدعاة في تلكم البلدان والأصقاع لقد دون رحالتنا العبودي جميع مشاهداته وانطباعاته في كل ما زاره من بلدان الشرق والغرب فيما يقارب 124كتابا طبع منها 52كتابا والباقي لا يزال مخطوطا، ولعل شيخنا العبودي يعد أول رحالة عربي له هذا الانتاج في كتابة رحلاته عبر القارات وان المستمع تأخذه الدهشة بينما يسمع البرنامج الاسبوعي عبر اذاعة القرآن الكريم حول رحلات الشيخ ناصر العبودي في العالم الاسلامي من سرده لهذه المشاهدات وترتيب الأفكار التي يوردها وهذه الذاكرة الحديدية التي وهبها الله لشيخنا العبودي زاده الله صحة وعافية ويتكلم بدون ان يتعلثم كأنه يقرأ رح
لاته من احدى كتبه رغم ان بعضها قد مضى عليه سنين عديدة واعواما عتيدة وعندما سئل الشيخ عن كتابة مذكراته اجاب قائلا: بالنسبة لكتابة المذكرات سبق ان كتبت مذكراتي لكن في ذلك الوقت كانت مذكرات محلية لأنني كنت أعيش في مسقط رأسي في مدينة بريدة وكتبت نحو ثلاث مجلدات لكنه بالنسبة للحاضر نعم فأنا بدأت كتابة مذكرتي. قلت وهذه المذكرات التي ذكرها شيخنا العبودي هي بعنوان مذكرات نجدي ولا تزال مخطوطة وآخر ما صدر لشيخنا هو كتاب بعنوان \"كلمات قضت\" وهو في مجلدين ويبلغ عدد صفحاته ألفااً وخمسمائة صفحة طبعة الدارة وهو يبحث عن الكلمات المهجورة في نجد والجزيرة العربية واما كتابة معجم أسرار القصيم الذي انتظره القراء منذ زمن وجعله الشيخ حمد الجاسر من احدى مصادره المهمة في كتابه شهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد فالشيخ العبودي يضع اللمسات الأخيرة لهذا الكتاب وهذا الكتاب ثمرة جهد يبلغ أكثر من 30سنة والشيخ لا يزال يعده ويتحرى فيه الدقة والصواب لأن علم الأنساب علم شائك جدا وصعب ولكن لا شك ان شيخنا قد اجتاز هذه الصعوبات ودون كتابه هذا بمنهج علمي حر بعيدا عن الأهواء متخذا طريقا في علم الأنساب في انه ليس للتفاخر والطعن في الآخرين ولكن لمجرد ق
ول الرسول عليه الصلاة والسلام \"تعلموا من انسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر\" صحيح الجامع للألباني رحمه الله المجلد الأول صفحة 570رقم الحديث 2965وان تكريم الجنادرية لهذا العالم الأديب الشيخ العبودي فهو دليل على عناية واهتمام الدولة بالعلماء والأدباء وهذا ليس أول تكريم للشيخ فقد كرمته اثنينية عبدالمقصود خوجة سنة 1405ه وكرمه النادي الأدبي بالقصيم سنة 1421ه وفق الله شيخنا العبودي بكل خير وزاده علما نافعا وعملا صالحا متقبلاً.
تمت اضافتها يوم الثلاثاء 14/04/2009 م - الموافق 19-4-1430 هـ الساعة 4:21 مساءً

إبراهيم بن أحمد الصقعوب
الجزيرة 28/9/2002م


العبودي .. علوم وتنوع اهتمامات


على مدى ربع قرن من حياتي الإعلامية اتيحت لي فرصة مقابلة عدد من الشخصيات المعروفة في مختلف فنون المعرفة الانسانية داخل المملكة وخارجها ولكني كنت أرى ان الشيخ محمد العبودي ينفرد بصفات مختلفة عن اغلبهم بحكم شمولية ثقافته واتساع اهتماماته وقدرته على تكييف نفسه لمشاركة محدثيه في اي موضوع جاد يطرح للنقاش مهما كان مجال الحديث فقراءاته المتنوعة ورحلاته المتعددة ولقاءاته بالناس في كل القارات اكسبته رصيداً من التجارب في كل المجالات فخلال جلسة واحدة يثار موضوع شرعي فاذا به يقدم رأيه مستنداً الى ثقافة شرعية واسعة واذا انتقل الحديث الى جوانب الثقافة والادب اثراك بسعة اطلاعه وحفظه لتراثنا حتى يخيل اليك ان هذا مجاله الوحيد الذي يحسن الحديث فيه ولكنك ما ان تورد معلومة عن الادب الشعبي الراقي القديم حتى تجد ان مشاركته في هذا الاطار واسعة ودقيقة.
اما حديثه عن رحلاته التي شملت كل ارجاء العالم فيبهرك من خلاله بدقة الملاحظة وقدرته الفائقة على حفظ الأسماء والأعلام ووصفه لحالة المسلمين ومعرفته الدقيقة باوضاعهم حتى تتوقع انه عاش بينهم فترة طويلة من حياته.
واذا انتقلت الى جانب آخر بعيداً عن هذا الاطار فستجد ان معلوماته عن الاسر والانساب وخاصة في منطقة القصيم تتصف بالدقة والشمول وهي لا تقل عن تلك المعلومات الموسعة التي قدمها في المعجم الجغرافي للمنطقة ومن نعم الله عليه ان الله وهبه قدرة على تنظيم وقته والاستفادة منه فرغم اهتماماته المتنوعة وانشغاله الدائم بالكتابة والتأليف إلا أنه ومن خلال معرفتي به لم ينشغل عن اولاده واحفاده الذين عودهم على نقل تجاربه اليهم وحثهم على استثمار اوقاتهم وتنظيمها بشكل مفيد.
كما لم يشغله البحث والتأليف عن اهتمامه بممارسة هواياته وخاصة ما يتعلق بالزراعة وتخصيص بعض ايام اجازته لمتابعة موسم الثمر بالنسبة للنخيل.
على ان اللافت للانتباه انه ليس من الذين يميلون الى الوجود الإعلامي فرغم كثرة رحلاته وغزارة انتاجه إلا أن حضوره الإعلامي محدود وكثيرا ما يعتذر عن المقابلات واللقاءات مالم يجد انها مفيدة للمتلقي وتطرح افكاراً جديدة ومفيدة.


تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:25 صباحاً

عبدالله حامد
الجزيرة 28/9/2002م

مع الرحالة السعوديين
أسلوب السرد عند محمد العبودي بين التسجيلي والأدبي


أحد أكثر الرحالة العرب غزارة -فيما أعلم- ألف هذا النتاج الضخم في أدب الرحلة لم يسبقه أحد أو يلحق به، وقد أتاح له عمله في رابطة العالم الإسلامي هذا التجوال الذي شمل أنحاء الكرة الأرضية تقريباً، بيد أن ذلك أوقعه في مأزق الرسمية التي حدت بدورها حريته بما تفرضه من جولات رسمية، ولذلك لم يحظ بما حظي به غيره من الرحالة في التجوال، والانتقائية، في تحديد المعالم والأماكن المزارة. كما أن ذلك حرمه أيضا من الوقت الذي يمكنه من الكتابة الفنية، لذلك يلحظ القارئ لكتبه الرحلية غاية اللغة التقريرية الجافة، مع أنه - فيما أحسب- قادر على أن يبدع ويكتب وصفاً أدبيا متميزاً يظهر ذلك من خلال بعض النصوص التي تظهر لدى الرجل ثقافة واسعة وتذوقا أدبيا راقياً وعمقاً لغويا كما سيأتي.
وبدءاً فإن العبودي يصنف كتبه ضمن أدب الرحلة ذي الاتجاه الديني، وهو محق في ذلك، فأهداف رحلاته دينية، فهي تهدف إلى دراسة أوضاع الأقليات المسلمة واحتياجاتها، وهو عمل ضخم وجهد مبارك زاد من قيمته، وأعلى من شأنه، هذا التسجيل الواقعي المفصّل لأحوال الأقليات المسلمة، مما يعد خطوة رائعة تسجل للعبودي في عصر نحن فيه في أمس الحاجة إلى مثل هذه الدراسات المهمة، في سبيل وضع «استراتيجيات» ناجحة للتعامل الإيجابي مع قضايا هذه الأقليات من جهة، ومعرفة ظروفها السياسية والفكرية التي تحيط بها من جهة أخرى.
ولما كان الغرض الديني هو الهدف من هذه الرحلات، فقد لاءم الرحالة كتاباته مع هذا الغرض، وظهر الحس الإسلامي مسيطراً عليها، حتى انه ليخاطر بنفسه أحياناً من أجل الوصول إلى المسلمين مهما كلف الأمر، كما فعل حين زار منطقة شمال بولندا القريبة من حدود الاتحاد السوفييتي، رغم قربها من المفاعل النووي السوفييتي تشرنوبل. وهو في أثناء رحلاته يحمل الهم الإسلامي، ولذلك كثيراً ما تستوقفه حال بعض المسلمين، وما وصلت إليه قلة ذات اليد عند بعضهم مثلا، وينحى باللائمة على إخوانهم المسلمين المنوط بهم مساعدتهم، ومد يد العون لهم، فبعد زيارته لإحدى مدارس وسط أفريقيا يقول: والمهم هنا أن أذكر أنني شعرت بحزن عظيم، بل بحياء مزعج من الله تعالى، ومن هؤلاء المسلمين، لأن المدرسة مبنية من الطين بشكل رث، بل مزر، وإن كان ذلك ليس بالنسبة إليهم، لأن هذه هي طاقتهم واستطاعتهم و(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، وإنما هو لنا نحن إخوانهم القادرين في البلدان الإسلامية.
بل إن العبودي لينقل أحياناً صوراً محزنة لبعض المواقف التي تمر به في هذا الميدان فأثناء زيارته للمعهد الإسلامي في صوفيا يلحظ أن غداء الطلاب خبز قراح -وقد حاولوا ستر طعامهم لئلا يراه الوفد عند وصوله- فيقول: لكنني كشفته لغرض أردته، وقلت للمفتي وهم يسمعون انني لم أر لحماً في طعام الطلاب، ولذلك أرجوهم أن يقبلوا دعوتي لهم على أكلة لحم تشبعهم، ثم أعطيته وهم يرونني مائة دولار أمريكي ليشتري بها لحماً لهم، وهذا مبلغ مجزٍ في هذه البلاد. وقد تكون مرارة المشاهد ودلالاتها كافية العبودي من إضفاء المسحات العاطفية الفنية عليها، وقد تكون المقارنة فقط هي ما تمنح المشهد تأثيره وصدقه، فالعبودي في كثير من الأحيان يورد مقارنات مهمة وذكية ومؤلمة، تخدم الهدف الذي قام بهذه الرحلات من أجله، فحين يذكر له أن بعض المسلمين في الصين لايجدون كفايتهم من الطعام، ومع ذلك يتبرعون للمساجد يقول: وتذكرت ما نحن فيه من النعم، كما تذكرت أقواماً من بني قومنا العرب في ديارنا وفي خارج ديارنا، عندهم فضول من المال لا يدرون كيف يصرفونها.
وهذه المقارنات كما يظهر توضح إلى حد بعيد حال المسلمين في بعض البلدان، ولذا فإن العبودي يعمد إليها أيضاً حتى ولو كان هو طرفاً فيها، فبعد انتهائه من إحدى الولائم التي دعي إليها في كشمير يقول وانتهت هذه المائدة (الكشميرية) وخجلت من نفسي، عندما قارنتها بمائدة صنعت في بيتي لعدد مماثل من الأشخاص، أكثرهم غرباء، بينهم إخوة مسلمون من «نيوزيلندا» واثنان من السودان وذلك قبل ثلاثة أيام فقط من قدومي إلى كشمير، إذ عرفت من ذلك أننا لانقدر ولاندبر، بل إننا نبذر، ولاسيما حينما ذكرت أن «أم ناصر» زوجتي حفظها الله، جاءت تشكو إليّ من كونها لم تستطع أن تجد من يقبل بقية من اللحم والطعام، لم تجد أكلا. ومن هنا فلم يكن العبودي يحفل كثيراً باستثمار هذه الحوادث والمفارقات فنياً، ربما لاستغنائها عن ذلك، وربما لعدم وجود الوقت الكافي لذلك أيضاً.
وإلى جانب ذلك تنوعت رؤى العبودي لتنطلق إلى قضايا الإنسانية التي لاتتعارض مع الرؤية الإسلامية، فهو مثلاً ينعى الإنسانية المهدورة حقوقها والمسلوبة إرادتها حين يرى أحد الصبية المشردين يلاعب كلباً هزيلاً في مدغشقر ومع الاثنين خبزة يتقاسمانها يقول: «وكانت بغي شابة، أو لنقل فتاة مشردة عليها مظاهر البغي واقفة، فأسرعت لتشارك الاثنين في تبادل العواطف، وأخذا يضحكان، ويتنادران، وكان الطفل يضرب مواضع من جسمها يمازحها فلا تبالي».
وحين انتظرت إحدى الحافلات الذاهبة للمطار في غرب أفريقيا رجلاً أبيض تأخر كثيراً، ثم تركته ليأخذ سيارة أجرة إلى المطار، وسمعه العبودي يخاصم الموظفين بغلظة وخشونة ويقول لهم: أنتم تعاملون الناس كالحيوانات، أنتم لانظام عندكم يعلق العبودي قائلاً: «وقد نسي أن قومه هم الذين كانوا يعاملون الناس معاملة الحيوانات وأنه إذا كان من الأقوام اللاتينية من البرتغال مثلاً كما يدل عليه مظهره فإن سجلهم لايشرفه، وان الإفريقيين الذين لم تر منهم إلا المعاملة الحسنة والصبر عليه وأمثاله هم أحسن معاملة له ولغيره، مما توحي به روح الانتقام أو حتى معاملة المسيئين بالمثل».
على أن قضية المرأة كانت وما زالت من القضايا التي شغل بها بعض الرحالة السعوديين، وتوقفوا أمامها، وهم في ذلك يذكرون الباحث بالشعراء القدماء ووقوفهم على الأطلال مع اختلاف الزمن والمناسبة. ولايقتصر الحديث عن المرأة، الحديث فقط عن خروجها وعملها مثلاً، بل يتجاوز ذلك إلى الحديث عن جمالها وأنوثتها وخصائصها، إذ يفلسف العبودي النظر للنساء فيقول: «في البلاد الأوروبية التي تطلق للمرأة حريتها في الدخول والخروج والتجول والعمل في أكثر بلدان العالم، لابد للسائح أن يطلق عينيه في حالة النساء فيها. ذلك بأنه يفعل ذلك من كونه ذكراً يرى أنثى في الشارع، وإن تكن الرؤية من هذا الاعتبار مختلفة فليس كل ذكر يريد أنثى».
ولقائلٍ أن يتحدث عن النظرة الأولى التي تتكرر كثيراً في هذه البلاد مما يعطي انطباعا وتصورا عن المرأة، وربما كانت نظرة العبودي إلى الصقلبيات من هذا القبيل حين يقول عنهن: «والغريب في الأمر أنه إلى جمال التقاطيع في وجوههن، والنضارة أو اللون الوردي الذي يميل إلى اللون الذهبي في سحنهن، إن لم يكن ذلك اللون الذهبي منعكساً على وجوههن من شعورهن التي هي جميلة، بل رائعة الجمال كوجوههن، فإن قاماتهن مديدة، وقوامهن يميل إلى الرشاقة في الأغلب الأعم من حالهن».
وليس بعيداً عن ذلك قوله عن المرأة الفرنسية: «وما رأيت في كثرة ماجلت عليه من أنحاء العالم مثل المرأة الفرنسية في رقتها إذا استلطفت رجلاً، وفي صنعتها في وجهها إذا جملته، ومن إتقانها لعملها إذا أحبته».
وأحسب أن هذا التعميم لايمثل قاعدة مطردة، بقدر ما يعكس رؤية الرحالة الذي كان واعياً حين حددها بقوله «مارأيت».
ولايتردد العبودي عن إبداء رأيه، وبيان إعجابه بالمرأة أين كانت. وعلى ندرة تلك الوقفات إلا أن العبودي يمنحها أسلوباً جميلاً لايطرد، وأسلوب التقارير السريعة التي يكتبها، فهو يقول عن إحدى العاملات في أحد فنادق «مدغشقر»: «وهي فتاة رشيقة الجسم، خفيفة الحركة، حتى كان بعضهم يطلق عليها اسم «الفراشة» لأنها كالفراشة الافريقية السوداء، وهي تفضل الملابس التي فيها بياض، فيزيد شبهها بتلك الفراشة.. وهي أيضا تشبهها في خفة حركتها، حتى إذا مارأيتها تسير في جناحين من خفة روحها، وخفة وزنها خيل إليك أنها تطير، ولا تسير، وأنا لاتمس الأرض بشيء».
وإذا كانت «الفراشة» مشبها به من خيال غير العبودي، فإن إحداهن تأسره إلى أن يقول عنها حين يعبئ أوراق أحد فنادق «البنغال»: «فلما بدأت بذلك رأتني إحداهن، فجاءت تبتسم وتنظر فيما أكتبه، وتريني أشياء قد ألفتها، ومرت عليَّ كثيراً في كثير من الفنادق ولكن وجهها في هذه المدينة وبين وجوه نسائها كالواحة الخضراء وسط الصحراء، فلم أكره أن ترشدني إلى ما لا أحتاج إلى الإرشاد إليه».
على أن حديث العبودي عن المرأة هو وأغلب الرحالة السعوديين كان حديثاً بريئاً لا يخدش الحياء، وهم في ذلك لايبتعدون عن الشعراء الحالمين الذين يأسرهم الجمال، ويستهويهم الوجه الحسن.
كما أنه لابد من الإشارة إلى أن أسلوب العبودي وإن كان يهبط إلى التقريرية، فإنه يرتقي أحياناً إذا لايخلو عمله من نصوص وصور فنية أحسن في إخراجها، فهو يفيد مثلاً من القرآن الكريم أحياناً مما يمنح النص جمالاً وإشراقاً، إذ يقول عن رحلته (لألبانيا): «وكان معنا وفد كبير في كل الزيارات لأقطار أوروبا الشرقية، ما عدا الرحلة الألبانية هذه، لأنها رحلة انشأناها إنشاء إلى ألبانيا من بلادنا».
ويقول وهو في طريقه إلى أذربيجان: «ثم ارتفعت الطائرة، وران على المنظر غيم تظاهر معه ضباب».
كما تظهر هذه الثقافة في جانب الشعر، حين يقدم العبودي بعض النصوص حول بعض المناسبات، ويستطيع ان يمتح من ثرائه الشعري بيتاً أو أبياتاً مناسبة، تأتي منسجمة تماماً مع السياق، بعيداً عن التكلف والتعالم، فحين يقدم له ولمرافقيه حجر في «الداغستان» حمل من جزيرة العرب يقول: «ويصح أن يكون العنوان جالب التمر إلى خبير» كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه.



وإنا ومن يهدي القصائد نحونا.....كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا


والعبودي يظهر من خلال كلمات بسيطة واستطرادات قصيرة، عمقاً في ثرائه الأدبي، يقول حين يتحدث عن الخنزير وقبحه: قال حماد عجرد الشاعر يهجو الجاحظ:


لو مسخ الخنزير مسخاً ثانياً....ماكان إلا دون قبح الجاحظ


وليس المقصود بإيراد البيت الاستدلال على قبح الجاحظ، أو عدمه، فذلك أمر غير مهم، والبيت لايعطي دلالة واضحة على ذلك، إلا إذا كان صادرا من رجل صادق اللهجة، موزون الكلمة، بعيد عن الكذب، وحماد عجرد خلاف ذلك.
وتأتي إفادته من الشعر دوماً لتؤكد قدرته على التميز لو منح الوقت الكافي، فحين يرى بلدة «ساي» في «النيجر» يقول: كان أول ما سمعته من الأخ الشيخ عمر جالو هو ما أردت أن أقوله وسبقني إليه، وهو الأسف الشديد على هذه الأراضي الزراعية غير البعيدة من ضفاف نهر النيل «النيجر» ولكنها قفراء مغبرة، تشكو العطش، وهي بجوار النهر فكأنها العيس التي ذكرها الشاعر:


ومن العجائب والعجائب جمة...........قرب الشفاء وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ......والماء فوق ظهورها محمول


وفيما يتعلق بثقافته الواسعة ينجح العبودي أحياناً قليلة في تلوين سرده ببعض الاستطرادات المهمة، من حيث تنويعها للأسلوب وتقديمها مادة علمية قصيرة مركزة، بحيث يقدم المعلومة في ثوب أدبي لتقدم فائدة ومتعة في الوقت ذاته، يقول مثلاً عن «بيونس أيرس»: «أفعل التفضيل في هذه المدينة كثيرة، و(أفعل) هو الوزن الذي يأتي عليه لفظ أكثر وأقل وأصغر وأكبر.. الخ، ومن ذلك أعرض شارع في العالم وهو موجود في هذه المدينة، واسمه (شارع نيوفي دي خوليو) أي شارع التاسع من يوليو».
ويقول في مكان آخر: «وقد تجد فتاة ذات شعر سبط، أي ليس جعداً أو معقداً».
وأحسب أن هذه الالتفاتات السريعة والخاطفة وما شابهها كان لها دورها الفاعل أحياناً في تلوين الأسلوب السردي عند العبودي، على أنه كان أحياناً يقدم صوراً سريعة، لكنها تدل على حس فني، ومهارة في الاختيار، والعرض، وفي الرصد، والإيصال، بيد أنها تتسم بطابع السرعة. فهو يقول حينما هبطت طائرته في إحدى جزائر جنوب المحيط الهادي: «نزلت الطائرة في مطار صغير نسبياً تحف به تلال جبلية خضر فتضايقه ولكنها لا تأخذ بخناقه».
ويرتفع الأسلوب لديه أحياناً، ليقول عن أحد احتفالات المسلمين في روسيا: «ولم يكدر هذا الاحتفال الجميل إلا كون الجو غائماً والمطر يسقط رذاذاً، وكأنما هو ينفث رقيته على هذه الأرض المسلمة لئلا تصيبها العين، لأنها حصلت، لأول مرة منذ 73 سنة، على شيء من حريتها في أمر دينها لم تحصل عليه من قبل».
وهي لفتة فنية ذكية، تدل على خصوبة العبودي الفنية، التي لم تتح لها الظروف الزمانية والرسمية تقديم إمكاناتها وطاقاتها، وأنت موافق -فيما أحسب- على ذلك حينما تقرأ مقطوعة العبودي التي عنون لها بقوله: «الحقيبة التي دفنتها في بوغوتا»، حيث يقول: «بعض الأشياء كبعض الأشخاص، تكون عزيزة على المرء، أثيرة عنده، حتى يحزن لفراقها، وأن كان يجد عنها عوضاً، فبعض الناس يكونون كأبي الطيب المتنبي الذي قال:


خلقت ألوفاً، لورجعت إلى الصبا...لفارقت شيبي موجع القلب باكياً


ومن ذلك حقيبة كانت قد صاحبتني في أسفار عدة، ودارت معي حول العالم في رحلة قبل هذه، عرجت فيها معي على قارة «استراليا» وبعض جزر المحيط الهادي الجنوبي «بنيوزيلندا» «وفيجي»، ولقد أصابوها بكسر ظننت أنه قد يجبر، وذلك عندما ألقوا عليها - فيما يظهر- شيئاً ثقيلا حاداً كبعض الحقائب الحديدية أثناء السفر مابين «كاراكاس» و«ريودي جانيرو»، فعزمت على أن استمر في اصطحابها رغم الكسر، وألا أهجرها في العسر بعد أن صحبتها في اليسر، غير أن إخواناً لهم من الحمالين مابين مدينتي «كيتو» في «الاكوادور» و«بوغوتا» قد أصابوها بكسر فوق ذلك الكسر، فكان بمثابة قاصمة الظهر، وخفت على أغراضي أن تتبدد، فاخترت الطريق الأوحد وهو استبدالها لاعن ملالة بأخرى من صنع هذه البلاد من جلد من جلود أبقارها، وودعت الأولى الوفية بكلمات من الرثاء حين دفنتها فأحسنت لها موضع الدفن، إذ منحتها فتاة تعمل في مكتب الاستقبال في الفندق الذي أسكن فيه، وذلك أن تلك الفتاة كانت تجامل بالعبارة، فقلت: لا أكون كمن ترك راحلته إذا أعيت للكلاب، وإنما قلت لتلك الفتاة الكعاب: خذيها مباركاً لك فيها، على عيب في أحد نواحيها، فهذا خير من أن أرميها في الشارع مما قد يجعلها محلا للتنازع.
وأحسب أن في هذه النصوص تأكيداً على قدرة العبودي على العرض الأدبي والتميز فيه لو وجد وقتاً كافياً ولايعني ذلك أنني أبحث عن مبررات لهذا الرحالة، بقدر ما هو الحرص على بيان الحقيقة، وفي ذات الوقت فإني أشيد بدورها الاستطلاعي الموثق الذي قامت به، والذي اختصر زمناً وجهداً، وجدير بالباحثين في العمل الإسلامي أن يولوا وجوههم قبل هذه الرحلات إذ إنها ستعطيهم بلاشك كثيراً مما يحتاجونه، ويتطلعون إليه.


تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:23 صباحاً

د. حسن بن فهد الهويمل
الجزيرة 28/9/2002م

تكريم الرواد

الأديب العالم الداعية معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي، لي اليه أكثر من مدخل، وحديثي عنه تتنازعه عدة قضايا.
فلقد عرفته تربوياً يمتلك قوة الشخصية وقوة المعرفة. وعرفته إدارياً محنّكاً يمارس العمل الاداري وفق أدق الطرق وأشملها وأقدرها على الأداء السليم. وعرفته قارئاً نهماً يرشدنا الى الكتب والمجلات والدوريات؛ ويغرينا بالقراءة لكتب التراث وأمّهات الكتب.
في الثالثة عشرة من عمري، تقدمت لمعهد بريدة العلمي، وكان إذ ذاك يقبل طلبة «الرابع الابتدائي» فما فوق، وكنت في الصف الخامس الابتدائي، وحين دخلت مكتبه، أحسست بهيبته وجلاله وهو رجل مهيب وحازم وهو أميل الى القوة مع الطلبة فلا ينبس أحد عنده ببنت شفه، ومن بعد ادارة المعهد تلتقطه مواقع علمية ودعوية، وكان ان سهم في تأسيس الجامعة الاسلامية في المدينة ثم عمل وما يزال في رابطة العالم الاسلامي، وكل المسؤوليات التي واكبها منذ أكثر من نصف قرن لم تقفه عن التأليف في مختلف العلوم والمعارف، وبرز كاتبا لأدب الرحلات، حيث أتاح له عمله في الرابطة أن يكون كما وصفه «المتنبي»: «ما حطَّ من سفر إلا الى سفر» أو كما وصفه «الشنفرى»: «تَهاداهُ التنائف أطحل» لقد طاف العالم ولم يدع بقعة من بقاع الأرض إلا وحطت فيها رحاله.
وألّف عن كل دولة، أو بلد، أو مقاطعة كتاباً أو أكثر تحدث فيه عن حضارتهم، وعاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم وآدابهم وأديانهم وكل ما يهم القارىء، وخلّف وراء ظهره أكثر من مائة كتاب في «أدب الرحلة» وهي ثروة تاريخية جغرافية فكرية تهم كل مثقف ومسؤول.
وفي العام الماضي كرمه «نادي القصيم الأدبي ببريدة» تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم، ويومها تفضّل صاحب السمو بالأمر بتسمية أحد الشوارع ببريدة باسمه، وتسمية إحدى المدارس الثانوية باسمه وقد تم ذلك وهذا جزء مما يستحقه أمثاله فهو العالم الجليل الذي قضى شبابه وكهولته في خدمة الدين والوطن وأسهم في التأسيس لحركة علمية ودعوية.
وتكريم المنتديات والمؤسسات لأمثاله بادرة طيبة ووفاء لرجالات البلاد وأملنا في أن تحذوا كل مؤسسة أو ندوة أو جامعة حذو الذين بادروا في التكريم و«ثلاثية المشوح» التي أنشأها الأخ الكريم الشيخ محمد بن عبدالله المشوح أسهمت في تكريم عدد من الكفاءات الوطنية من رجال العلم والتربية والأدب، وهو اسهام مشكور وسلوك حضاري وبلادنا والحمد لله تعي مسؤولياتها إزاء علمائها وأدبائها وكافة العاملين من أجل خير المجموعة.
نسأل الله السداد والعون والتوفيق.



تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:17 صباحاً

د. عبدالله بن صالح الوشمي
الجزيرة 28/9/2002م

إضاءة في خيمة الشيخ العبودي


بنانك هذا!، أم حسام مدرب.............وأزهاري اللاتي قطفت، أم الأب
ثمانون، ما أحلى الثمانين، في فمي.....ثمانون دنيا من حياتك أعذب
ثمانون من عمر الرجال وهبها.......رسولاً تغني للحياة وتكتب
وصوتك هذا أي معنى حملته.........وأي حقول فوق حرفك تعشب
حديقة أحلامي التي قد رعيتها.......لعشرين، مازالت من العود أصلب
إلى أن رآك اليوم شاعر حبه.........فغنى، وهل غير الكلام سيطرب
لك الله، هل في البيد سراً تركته.....فنبحث عن سر الذي أنت تطلب
إذا قلت يا شيخي الكبير نمت هنا.....حقول وأزهار وأورق أجدب
لماذا رحيق المسك فوق أناملي.....يضيء، ومن عمق المشاعر أكتب
إذا قلتُ: أحلامي، فأنت أميرها....وإن قلت: آلامي، فأنت المطبب
مليء كأعناق النخيل، وصوته......مؤذن فجرٍ، كل حين يؤوب
زرعت على أفواهنا بعض حلمنا......ومازلت أنت الظل للكان يتعب
سمير الليالي عدَّك الشيب بعضه......وللآن تغزو كل يوم وتركب
أراك ومازالت بعينيك أبحر............هناك وطرس والمنى تتوثب
تسافر للدنيا ببعض نشيدها...........ويُملي عليك الدهر شوقاً فتكتب
وتغسل من لون الغبار رمالنا..........وأفواهنا، والأرض بعدك تخصب
وأنت هنا يا سيد البيد واحد.........وخلفك من جند المحبين كوكب
عباءاتك الخضراء، هذا عبيرها........وهذي بقايا الطيب بعدك أعذب

تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:11 صباحاً

د. محمد بن عبدالله المشوح
الجزيرة 28/9/2002م

العبودي .. والمنهج الفريد


احسب انه ليس بدعاً ان يحتفى بالمبدعين وان ينزل اولو الفضل منازلهم التي هم اهل لها.
واجزم انه متى حفظت الحقوق لاهلها وتبوأ اهل العلم والادب رتبهم الجديرة فان الامة تسير الى خير وفلاح.
بيد ان التكريم والاحتفاء حين يكون لموسوعي كبير وعالم جليل نذر وقته وجهده وعمله حتى سويعاته الخاصة للعلم والتأليف وتجواب العالم مطلعاً على احوال المسلمين ناثراً بين يدي كل قارئ حقيبة منوعة من العلوم والفنون فان هذا بكل تأكيد ينبىء عن الوعي الحي في المشهد الثقافي لنا.
ومعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي احد تلك الرموز الموسوعية الباقية من علمائنا الاجلاء الذين اثروا مكتبتنا بثروة علمية هائلة فهل كثير علينا الاحتفاء والتقدير والتكريم لعالم جليل كتب في الشريعة والادب قصة ورواية وشعراً وصنف في التاريخ والجغرافيا واستطرد في الانساب واخبار الاسر وتراجم الاعيان.
اما في الرحلات فقد تبوأ عمادتها بل منازع وصار إمامها بلا خلاف.
كتب في الرحلات مالم تعرفه الانسانية في تاريخها مما قد تجاوز مائة وثمانية وتسعين كتاباً.
والاميز في هذا انه اختط لنفسه منهجاً فريداً في كتابه فن الرحلات لما احتوته كتبه من مزيج في الادب والسياسة والاقتصاد واحوال المسلمين وامور السياحة.
واثبت في كتبه الهم الكبير الذي تحمله هذه البلاد في قيادتها وعلمائها وكافة فئات شعبها نحو المسلمين في زياراته التي شملت الكرة الارضية من اقصاها الى اقصاها.
وندوتنا الثلوثية حين تنهض بهذا الواجب فهي تقوم بجزء من مسئوولياتها الثقافية ورسالتها الفكرية والادبية نحو رجالات ورموز هذا البلد الثقافية مشاركة اخواتها من الندوات في هذا المسعى النبيل.
وختاماً ازجي الشكر والتقدير للأستاذ النيل خالد بن حمد المالك على تخصيصه هذه المساحة للحديث عن معالي الشيخ وتكريمه من قبل الثلوثية.
متّع الله شيخنا بالصحة والعافية مواصلاً عطاءاته المتجددة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:07 صباحاً

د. فاطمة بنت محمد العبودي
الجزيرة 28/9/2002م

ما لا يعرفه الناس عن العبودي

عندما طُلب مني أن أكتب عن والدي الشيخ محمد العبودي، احترت بماذا ابدأ فهو شخصية مميزة، فريدة، كأب او كعالم او اديب او رحالة، ثم فضلت ان اكتب عنه كأب، اما الجوانب الاخرى فتتحدث عنها اعماله.
والدي اب عطوف ومربٍ حازم، ونعم القدوة في الصدق والصراحة والوضوح والتنظيم، فهو منظم جداً يخطط لحياته ولا يترك اي امر للظروف، فكنا مثلا نعلم قبل بدء الاجازة متى سنسافر، في اي يوم وفي اي ساعة، ومتى نعود، والسفر معه بالسيارة متعة، فأحاديثه الشيقة، وقصص التراث تجعلنا نصل الى مبتغانا دون ان نشعر بعناء السفر، مع حصيلة جيدة من القصص التي تربطنا بماضينا وتشعرنا بنعمة حاضرنا.
كما ان والدي انسان متفائل، مستشعر لنعم الله عليه دائم الشكر له، فنشعر ونحن بصحبته ان كل شيء جميل، واننا نعيش في نعمة من الله، ويذكرنا بما يعانيه اخواننا المسلمون في انحاء العالم من حرمان، ويحثنا على عدم الاسراف.
اكتسبنا منه حب القراءة وتذوق الادب حتى وان كانت تخصصات بعضنا علمية، ولم يكن يفرض علينا دراسة تخصص بعينه بل كان يوجهنا برأيه ان سألناه. وغرس فينا الرغبة في التفوق والسعي لنيله، واذكر انه اذا رآني ساهرة للمذاكرة يبتسم لي مشجعاً ويقول «عند الصباح يحمد القوم السُرى». وكان يحثنا على كتابة مذكراتنا اليومية واذكر مرة اني تذمرت من تشابه ايام الإجازة فلا يوجد ما اكتب عنه، فقال اكتبي رأيك في آخر كتاب قرأتِه.
كما اكتسبت من والدي حفظه الله الوعي الغذائي، فكثيرا ما استعيد كلماته لوالدتي وانا اعد الطعام، حين يقول «قللي الملح»، ازيلي الشحم عن اللحم قبل طبخه، لا داعي للمخللات على السفرة، والسكر ضار بالصحة، والتمر افضل من الحلوى..
ومما لا يعرفه الناس عن والدي هواياته واهتماماته المتعددة، فالى جانب حب القراءة والاطلاع والتأليف والرحلات، فهو يهوى الصيد، بل هو صياد ماهر، ففي وادي العاقول في المدينة المنورة يمارس هوايته في موسم هجرة الطيور، وكنا نرافقه يوميا بعد العصر ونعود محمّلين بأنواع مختلفة من الطيور كالبط والغرانيق والقميري والخواضير وغيرها.
وعلى الرغم من ان والدي كثير الاسفار منذ ان كنا صغاراً، حيث وفقه الله الى اعمال تتطلب السفر لتفقد أحوال المسلمين، إلا أن له أثراً كبيراً في حياتنا، هو ورفيقة دربه والدتي حفظهما الله، فقد كانا نعم القدوة، ومهما عملنا من عمل او حققنا من نجاح، فاننا نحس بأن ما عملنا يتضاءل امام ما قاما به، فنسعى جادين نحو الافضل.
وفي ختام مقالي اقدم شكري وتقديري لثلوثية المشوح التي عودتنا على مثل هذه المبادرات الرائدة في تكريم الرواد ولجريدة الجزيرة على جهدها المشكور.




تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:05 صباحاً

يوسف بن محمد العتيق
الجزيرة 28/9/2002م

العبودي حامل المزايا في زمن اختفائها


حينما نطالع كتب تراجم بعض المتقدمين ممن يسمون بالحفاظ نجد عجبا من وصف حافظتهم الكبيرة واستحضارهم للنصوص الشرعية مسندة وذكر القصائد الطوال دون ادنى وقفة او تلعثم سوى لاسترداد نفس او نحوه هذا ما ترويه الكتب عند الحديث عن احمد بن حنبل والبخاري والدارقطني وابن تيمية وغيرهم ممن الفت فيهم الكتب التي سميت بطبقات الحفاظ. وهذا شيء ليس بغريب ولا يستبعد وجوده لكن حينما ينتقل احدنا من تقليب عينيه في كتاب الى تقليب عينيه في محدثه لابد ان يستغرب لو لوهلة على اقل تقدير، هذا ما نجزم به عندما يكون الحديث عن معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي الدعاة ورحالتهم وجغرافيتهم ونسابتهم العالم الموسوعي خفيف الظل رائع الاسلوب.
يحدثني اخي الكريم الاستاذ محمد المشوح ان الشيخ عند حديثه في برنامجه الشهير الذي اخذ بمسامع الكثير من الناس وقلوبهم «المسلمون في العالم» ان الشيخ لا يعتمد في ذكر الحوادث دقيقها وكبيرها - بعد الله - سوى على وريقة صغيرة فيها العناصر التي تعينه على تسلسل الموضوعات اما التفاصيل فان لدى الشيخ ذاكرة نسأل الله ان يمتعه بها والعبودي عالم شرعي وداعية محبوب مهتم بالمسلمين في كل مكان ومن اهم مزايا العبودي انه رجل منصب ومكثر في التأليف وهذا مالم نتعود ان نرى العلماء الكبار يستطيعون ان يجمعوا بين العمل الرسمي وكثرة المؤلفات والمصنفات.كما كتب العبودي في الرحلات، فقد كتب واجاد وابدع وتجلى في كتابه الكبير والعظيم معجم بلاد القصيم الذي هو مرجع الباحثين الاول عند الحديث عن ارض القصيم، والعبودي مهتم الى ابعد الدرجات عند الحديث عن الكلمات الدراجة واصولها الفصيحة وله في ذلك كتابات تذكر فتشكر.
والعبودي مع هذا كله رجل يميل ويجب خمول الذكر والبعد عن ثناء الناس فهو يرى ان اكبر ثناء على الفرد هو تقبل الناس لما يكتبه ويلقيه فهو الشاهد الاهم عند الله ثم الناس وعند الكلام على مزايا العبودي لابد ان يجهد القلم فهو رجل نحسب انه قد اوتي قبولا ومحبة عند الكثير من الناس.
ولعل اهم ما يجب ان نأخذه من سيرة العبودي في هذه العجالة ان يحرص كل شخص منا على ان يكون كالغيث اينما وقع نفع، وان يكون همه الاول والاكبر ان يكون نواة صالحة في المجتمع في اي مكان وتحت اي سماء وان يكون القلم رفيقه في كل مكان حتى يقيد ما يراه جديرا بالتقييد وينقل للآخرين ما يفيدهم ويكون سببا في الثناء العاطر عليه.


تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 9:02 صباحاً

د. فهد بن عبدالله الرشودي
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

رحالة العصر
الحمد لله الذي لم يزل يجود على هذه الأمة برجال يحفظون لها تاريخها وتراثها وفضائلها زماناً بعد زمان ليفيدوا أمتهم وبلادهم أمثال العالم المؤرخ الاديب رحالة العصر معالي الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي الذي ولد في مدينة بريدة عام 1345هـ، وتخرج من مدرسة شرعية وهي حلق العلم في المساجد، فأخذ من كبار العلماء كالشيخ عمر بن محمد بن سليم كبير قضاة القصيم وقاضي بريدة، وسماحة مفتي المملكة ورئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ صالح بن احمد الخريصي رئيس محاكم القصيم، والشيخ عبدالله بن محمد بن حميد قاضي بريدة آن ذاك ورئيس مجلس القضاء الأعلى فيما بعد، وهو شيخه الذي تخرج عليه ومن ابرز تلاميذه وقد لازمه وقت الطلب حضرا وسفرا، وبعد تخرجه على العلماء انطلق من التخصص في العلوم الشرعية الى الموسوعية، فألف في اللغة والادب والتاريخ والجغرافيا وغير ذلك، وكتب خلال ترحاله إلى أغلب بلدان العالم عن كل بلد حط قدمه عليها وعما شاهده فيها من مناظر وآثار وغير ذلك، كما انه يسجل غالباً عدد سكان تلك البلد وعدد المسلمين والمساجد والمدارس الإسلامية فيها وديانة اهلها ولغتهم وآدابهم وعاداتهم وما يمتازون به من أعمال ويذكر الاحوال الجوية للبلد وتضاريسه.
لقد عرف الشيخ قارئا نهما في امهات الكتب وكتب التراث والدوريات والمجلات المفيدة، قضى شبابه وكهولته في خدمة الإسلام والمسلمين واسهم في نهضة البلاد العلمية والدعوية بالاضافة إلى المناصب الإدارية التي تولاها والمؤلفات التي دونها والزيارات التي قام بها لمعظم دول العالم.
فقد شارك في نهضة البلاد العلمية من خلال عمله قيماً لمكتبة الجامع الكبير في بريدة التي كانت تحت إشراف شيخه سماحة الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد، وهو اول عمل رسمي عين فيه، ثم مدرسا في إحدى المدارس الحكومية في بريدة فمديراً لها، ثم كلف بتأسيس المعهد العلمي في بريدة في عام 1372هـ وتولى إدارته حتى عين اميناً عاماً للجامعة الإسلامية في اول تأسيسها وشارك في وضع نظامها وهيكلها الإداري عام 1383هـ وعمل فيها لمدة ثلاث عشرة سنة ثم عين وكيلاً للجامعة نفسها.
وشارك في النهضة الدعوية من خلال عمله اميناً عاما للهيئة العليا للدعوة الإسلامية بالمرتبة الخامسة عشرة عام 1395هـ لمدة ثماني سنين، ثم العمل الحالي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي من عام 1403هـ وهو الآن بالمرتبة الممتازة.
ولقد اتاح له عمله في رابطة العالم الإسلامي الترحال إلى بلدان العالم حيث زار معظم دول العالم للاطلاع على احوال المسلمين فيها وكتب عن جميع مشاهداته في البلدان التي زارها، وقد بلغت عدد مؤلفاته عن هذه الرحلات مائة وبضعة وستين مؤلفا طبع منها اكثر من مائة مؤلف والباقي تحت الطبع، وهي ثروة ادبية تاريخية جغرافية فكرية تهم كل مثقف ومسئول.
ورغم كبر سنه وكثرة أعماله وانشغاله بالاعمال الادارية واسفاره الكثيرة الا ان ذلك لم يثن من عزيمته عن قيامه بالتأليف ومطالعة الكتب الكثيرة في فنون متنوعة وإقامة البرامج الإذاعية عن احوال المسلمين في العالم والمشاركة في مناقشة الرسائل العلمية، وهو حالياً بصدد إكمال كتابة «معجم أسر القصيم» اسأل الله ان يوفقه ويعينه على إتمامه.
كما كتب اربعين مؤلفاً في علوم متنوعة بعضها تحتوي على عدة مجلدات، طبع منها «معجم بلدان القصيم» في خمس مجلدات و «الأمثال العامية في نجد» في أربع مجلدات و «كلمات قضت» في اربع مجلدات.
والشيخ وفقه الله راوية للتاريخ المعاصر يحفظ الوقائع والاحداث ويروي عن ثقات كما انه يحفظ الاسر التي استوطنت بلدان القصيم وتاريخها ويذكر غالبا اول من استوطن من تلك الاسر لتلك البلدان وهو حريص على توثيق ذلك من خلال الوثائق وافواه الرجال الثقات.
كما انه يشجع المهتمين بتاريخ بلدانهم واسرهم والشخصيات البارزة فيهم وتدوين الروايات التاريخية عمن وجد وعمن عرف بالرواية عنهم ويحثهم على مواصلة السير والعمل والتدوين والإنتاج.
وقد عرفت عنه التجرد والإنصاف والموضوعية فيما يقول ويكتب في وصفه للشخصيات والبلدان التي ذكرها في كتبه ولا ادل على ذلك من وصفه لجميع بلدان القصيم في كتابه «معجم بلدان القصيم» حيث استوفى لكل بلد حقه من الوصف، كما انه حينما يذكر هذه البلدان يشير إلى الاسر التي تسكنها ويذكر اسماء الشخصيات البارزة من تلك الاسر سواء كان بروز تلك الشخصيات في العلم او الزعامة او الجاه او المال او الكرم او الشجاعة او الشعر.
والشيخ وفقه الله طيلة حياته العملية في القصيم والمدينة المنورة والرياض ومكة المكرمة التي تزيد على نصف قرن من الزمن من الشخصيات البارزة التي نالت ثقة ولاة امر هذه البلاد يدل على ذلك تعيينه في المناصب الإدارية المهمة إضافة إلى رحلاته إلى أغلب بلدان العالم بمهام رسمية للاطلاع على احوال المسلمين ومساعدتهم فتحدث وتكلم وحاضر في المساجد والقاعات واماكن التجمعات هناك، كما قابل كبار مسئولي تلك الدول والبلدان وتحدث معهم وقام بالدور الذي كلف به خير قيام.
وحقيقة فإني لا استطيع ان اوفي هذا الانموذج الفذ معالي الشيخ محمد العبودي حقه في هذا المقال ولكن آمل ان أكون قد اسهمت بشيء مما عرفه عنه، وتكريم الشيخ وامثاله من رجال العلم والدعوة والادب الذين أفنوا حياتهم في خدمة امتهم ووطنهم بادرة طيبة وامر محمود يشكر لولاة امر هذه البلاد المباركة الذين دأبوا على تكريم اهل العلم والفكر والادب.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 8:07 صباحاً

د.سلطان سعد القحطاني
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

الرّحالة

عرفت الشيخ محمد بن ناصر العبودي، منذ عقدين من الزمان، عندما قرأت كتابه (مدغشقر) ووجدت في هذا الكتاب روح الرحّالة الصادق في كل ما يذكره من معلومات عن تلك البلاد، وكان لي حوار مع بعض الإخوة من البلاد نفسها، وممن كان لهم معه صداقة ومعرفة عندما زار مدغشقر، في رحلاته الكثيرة، ومنهم الدكتور، علوي آدم، من الصومال، كان يدرس اللغة العربية في إحدى الجامعات، في نيجيريا حيث تحدث عن الشيخ العبودي حديثا يستحق عليه التقدير، فهو يمثِّل الداعية المسلم، المنكر لذاته، الصادق في دعوته، من خلال ما يتمتع به من أخلاق العرب والمسلمين الأوائل. ثم تابعت كل ما كتب عن رحلاته حول العالم، وخاصة ما كان ينشره في مجلة (المنهل) فوجدت فيها كل مقومات أدب الرحلات الحقيقي، البعيد عن الزيف وتبجيل الأناء، وخوارق العادة، التي عوَّدنا عليها بعض الرحالة العرب، وما كانت رحلات الشيخ العبودي، في أقطار العالم، وزيارات المسلمين، إلا من الدافع الشخصي وحب الخير ومساعدة المحتاجين من أبناء المسلمين ومن يرغب في الدخول في الإسلام، وما بخل على أحد منهم بالمساعدة والعون، سواء من ماله الخاص، أو بجاهه، وقد سمعت له حديثاً في الاذاعة السعودية، يشكر الله على ما آتاه من مال أنفقه على الدعوة في سبيل الله، وطاف به أقطارا كثيرة في العالم، وقد يقرأ الإنسان بعض ما كتبه عن تلك البلدان وعن حال أهلها، فيذهل، لكنها الحقيقة لمن يعرف أحوال المسلمين، من فقر وإهانة في بعض البلدان غير المسلمة. وإن المسلمين بحاجة إلى عدد من الدعاة المخلصين، من أمثال الشيخ محمد بن ناصر العبودي، وأعرف أنني لم أنصف هذا الرجل ولا جهوده العلمية، في هذه العجالة، فهو يستحق دراسة أكاديمية معمقة تنصفه وتعطيه حقه، من الناحيتين، العلمية والفنية.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 8:06 صباحاً

أ.د. عبدالله بن علي بن ثقفان
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

.. يستحق التكريم

الشيخ (العبودي):
بقية من أولئك الجادين الذين لا تغريهم المناصب،
ولا تشغلهم مباهج الحياة.
كان يهوى رياضة الصيد،
لكنه تركها ليعاني من رياضة العقل.
أصبح هاوياً لاصطياد المشاهد.
وهي مشاهد تنطلق من هم ذاتي أملاه عليه عقله ودينه قبل منصبه كأمين مساعد لرابطة العالم الإسلامي.
لم يكن همه الرحلة قدر همه الكشف عن الأحوال والديار.
إنه قد كشف عنها أو عن بعضها في أكثر من عشرين ومائة مؤلف بين مخطوط ومطبوع، مستخدماً لغة طيعة، لينة، سهلة.
إن كل تلك المؤلفات تمثل جهداً عظيماً خاصة عندما يكشف فيها عن حالة من أحوال المسلمين الذين يعيشون في أنحاء عدة من هذه الكرة.
إن (العبودي الرحالة) قد استغل تنقلاته ليسجل لنا كل مشاهداته، لا، بل مذكراته لتمثل جسراً للتواصل ليحوّل (الكتابة) بهذه القدرة إلى «نشاط إنساني»، فالكتابة في أساسها «خدمة للناس وليست لنيل إعجابهم» كما قال «لوكاس».
إن الذي يرغب (الرحلة) إلى البلدان الأخرى في شرق الكرة أو غربها، فإن بإمكانه معرفة شيء عن عادات وأخلاق وجغرافية المكان الذي له رغبة في زيارته.
والذي يرغب معرفة شيء عن «حياة وأفراد الجماعات» فما عليه إلا قراءة كتابات العبودي (الرحالة).
إن المهم في رحلات العبودي لقاءاته بالمسلمين، وزياراته لأماكن عباداتهم (المساجد)، إن هذه اللقاءات، وتلك الزيارات قد كشفت لنا شيئاً عن أحوال إخواننا المسلمين، وهو كشف يجعلنا نشعر بشعورهم، «والمسلم هو من يحس بأخيه المسلم ويشعر بشعوره، فيفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويرى أنه جزء منه...» (فقه السنة، ج2،ص599).
إن (العبودي) بهذا العمل يستحق التكريم، وكنت أتمنى أن جامعاتنا قد سبقت إلى هذا التكريم، لكن للأسف، الأمر الذي جعل (الحرس الوطني) كعادته يحقق هذا السبق، ويسعى لتكريمه أسوة بمن كرمهم من الرعيل الجاد، وهذا سبق يستحق الشكر لأن الحرس الوطني ممثلاً في (مهرجان الجنادرية) قد حَقَّق ما لم تحققه الجامعات في هذه البلاد، وإلاَّ ما الذي سيخسرها لو منحته درعاً تذكارياً؟ أو دعته لإلقاء محاضرات عن معاناته؟، أو طبعت رحلاته!!
إنها أسئلة تجعل جامعاتنا في محل التساؤل، وبُعدها عن تكريم من يستحق التكريم، وهل تحولت إلى شبه مدارس؟، أم إلى إلقاء محاضرات على الطلاب؟ أم ماذا؟؟، وأين مراكز البحوث فيها؟، وأين عمادات كليات الآداب واللغة العربية؟؟
إن التكريم للرعيل الجاد ينبغي ألا يتوقف عند كتابة رسالة عنه، أو إلقاء بحث، أو... أو... بل ينبغي أن يتعدى إلى التكريم الفعلي، وسؤال أخير: ما المانع من اختيار مثل هذه الرعيل الجاد الذي عمل وعمل أعضاء في مراكز البحوث في الجامعات إن كانت هناك مراكز بحث..!!؟
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 8:04 صباحاً

عبدالله الصالح الرشيد
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

العالم الموسوعي محمد العبودي وأكثر من تكريم
جاء في الأثر الثناء الحسن عاجل بشرى المؤمن وقال أحد الشعراء:
إنَّ الثناء ليحيي ذكرَ صاحبِه
كالغيثِ يحيي نداه السهل والجبلا
وفي مسلسل الوفاء والعرفان اختطت الجزيرة ممثلة بمجلتها الثقافية طريقاً رحباً في هذا المجال أسعد وأثلج صدور الكثير ما وصل إليه من عطاء من حيث الإشادة برجال الفكر والأدب في بلادنا مهد العرب والأدب وإعطائهم ما يستحقونه من تكريم وتقدير، وفي نفس الوقت إعطاء الأجيال الحاضرة بعض الصور والفصول عن حياة وعطاء هؤلاء الرواد الأفذاذ أمثال عبدالكريم الجهيمان وعبدالله الجلهم، وعبدالله القرعاوي، وعثمان الصالح، عبدالله بن ادريس وعبدالله عبدالجبار وغيرهم كثير قرأنا ملفات حافلة عن عطائهم بأقلام تلامذتهم وذلك منذ بروز هذه المجلة المشرقة بالعطاء المتجدد والفعال والمنافس.
لذا لم أستغرب أن تبادر هذه المجلة الوليدة كعادتها بتكريم رائد متميز بل موسوعة في مجال الأدب والتاريخ والرحلات فاقت مؤلفاته المائة. كل كتاب بغزارة مادته وإفاضته يقول هأنذا هو الشيخ الأديب والعالم والمؤرخ وابن بطوطة زمانه الرجل الواسع الأفق معالي الأستاذ الكبير محمد بن ناصر العبودي أمدّ الله في حياته. لقد عرفنا عطاء وإبداع وجهود هذا الرجل المفضل في أول شبابنا وتعلقنا بالقراءة في وقت مبكر عرفناه في كتابه الماتع الحافل الأمثال الشعبيّة في نجد صدر قبل أربعين عاماً وعرفناه فيما بعد بموسوعته الكاملة عن تاريخ وجغرافية منطقة القصيم أما مؤلفاته عن رحلاته في دول افريقيا وآسيا وغيرها فلم يسبق أحد في تفاصيلها وكثرتها وخاصة عن جولاته في افريقيا الخضراء.
ولقد سبق لي ان كتبت مقالاً في جريدة عكاظ قبل عشرة أعوام طالبت بتكريمه ومنحه ما يستحقه لقاء جهوده المتواصلة العظيمة في مجال عمله برابطة العالم الإسلامي وكذلك تقدير عطائه الغزير الحافل في التأليف في مجالات العلم والأدب والتاريخ وعن هذه المكتبة الكاملة في أدب الرحلات وقلت انه يستحق عن كل فرع من الفروع التي بسط قلمه وعلمه وجهده ووقته في التأليف فيه يستحق شهادة الدكتوراه مع مرتبة الشرف.. وهنا أجدد الدعوة في هذه المناسبة التي أتاحتها «الجزيرة الثقافية» بأهمية تكريمه وتقديره بما يليق بمكانته، وما أكثر مناسباتنا الثقافية والعلمية التي تتيحها الجامعات والأندية والمهرجانات الثقافية.
كما أنَّ مؤلَفه القيّم الشامل عن تاريخ وجغرافية منطقة القصيم بكافة مدنها وقراها وأريافها سيبقى أثره وصداه في ذاكرة الأجيال في الحاضر والمستقبل يستحق عليه الشكر والتقدير والإكبار..
ولا يسعني في الختام إلا أن أشكر «الجزيرة الثقافية» على مساهماتها البارزة المتواصلة في سجل الوفاء والعرفان لرواد العلم والأدب في بلادنا واستميح صديق الجميع الأستاذ المفضال ابراهيم التركي العذر بهذه المساهمة المتواضعة المستعجلة وأشكره على ثقته التي تثبت كل يوم معدن وفائه وأصالته وشهامته ولكن كما قيل الشيء من أصله ومعدنه لا يستغرب وإلى الأمام على الدوام.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 8:03 صباحاً

د.فاطمة بنت محمد العبودي
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

نعم المربي

قالت العرب «كل فتاة بأبيها معجبة» ولكن إعجابي بوالدي ليس من هذا المنطلق فحسب بل لأن والدي متميز وفريد، استطاع أن يوفق بين عمله وهواياته ورعاية أسرته، وأبدع في كل منها.
فعلى الرغم من مشاغله وأسفاره كان قريباً منا يلاعبنا ويداعبنا ويقص علينا القصص وينادينا بأحب الاسماء إلينا عندما كنا صغاراً ويصحبنا للنزهة معظم أيام الاسبوع.
ومازال أمد الله في عمره لمزيد من العمل الصالح يداعب أبناءنا ويقص عليهم القصص، ومازال يرفض أن يبدأ في الأكل قبل أن نجتمع على المائدة منذ أن كنا صغاراً وحتى الآن في اجتماعات العائلة الاسبوعية فيسأل عن كل فرد باسمه حتى يتأكد من حضور الجميع.
وعلى الرغم من مداعبة والدي لنا إلا أنه لم يكن يدللنا بما يفسدنا بل كان مربياً حازماً ذا هيبة تكفينا النظرة منه لنتراجع عن خطئنا ولم يكن يتهاون ابداً في حق الجار او احترام الكبير.
ومن أساليبه في التربية تعويدنا على الاستقلال بالرأي، فلا يقبل منا رأياً محايداً عندما يخيرنا بين امرين، وعندما عرض علي الكتابة في الصحافة أيد ذلك بقوله «هي فرصة سانحة لتبدي رأيك فلا تفوتيها».
كان حفظه الله يوجهنا من خلال القدوة الصالحة في الصدق والأمانة ومراقبة الله وشكر النعم وبره بوالدته رحمها الله ورعايته لاخوته وصلة رحمه. وهو إنسان منظم مبادر يحسن استثمار الوقت فلا تراه الا قارئاً او كاتباً او مجالساً لأسرته او لضيوفه فهو مضياف كريم، كما انه متابع جيد للاخبار يتأثر بقضايا امته حتى يمرض او يكاد.
غرس فينا والدي حب العلم من خلال تشجيعنا على القراءة ومن خلال حثنا على التفوق وسعادته به، فمكتبة المنزل عامرة وهدايا النجاح غالباً ما تكون قصصاً وكتباً، وكثيراً ما كان يردد «من استطاع منكم ان يكمل دراسته العليا فلا يتردد «ولا أنسى سعادته الغامرة بعودة اختي الكبرى شريفة لإكمال دراستها العليا في الادب الانجليزي بعد أن كبر اولادها كذلك سعادته بدراسة ابنتي في كلية طب الأسنان حتى انه يناديها دكتورة إيمان في حين نحن والديها لا نفعل وكانت كلماته دافعاً لها على الاستمرار في الكلية رغم صعوبتها. وبالنسبة لي فقد كان حصولي على الدكتوراه حلماً حرصت على تحقيقه بعد ان غرسه في والدي منذ الطفولة، وكانت أجمل عبارة هنأني بها عندما انجبت ابنتي الصغرى قوله «جعلها الله فخراً لوالديها كما أنت فخر لوالديك».
حفظ الله والدي وجزاه عنا خير الجزاء فهو نعم المربي وحفظ الله والدتي نبع الحنان الذي لا ينضب وفيض العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً، المشرفة المباشرة على تربيتنا والتي عايشت بمشاعرها جميع مراحل دراستنا وكانت نعم العون لوالدي فلولا ثقته بأننا في أيد امينة لما ارتاح باله ولما استطاع إنجاز ما أنجزه في خدمة الإسلام والمسلمين.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 8:02 صباحاً

د.إبراهيم بن عبدالله السماري
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

الشيخ العبودي والرحلات بصبغة دعوية!!

الرَّحَّالَةُ عُمْلَة نادرة في كل مجتمع؛ لأن عَمَلَهُ يوصف بأنه متعب بدنياً وذهنياً، وإنما يخفف وطأته ما يتحلى به هذا الرحَّالة غالباً من الرغبة في توسيع الدائرة المعرفية، ولذا كانت الرحلات مصدراً مهماً من مصادر المعرفة عموماً؛ بما تتضمنه من الإشارة إلى الأحداث والوقائع والتعريف بالأمكنة والأشخاص ووصف الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في زمن محدد هو زمن الرحلة التي تتحدث عن مكان ما، أو حادثة ما، كما تتحدث عن طبيعة العلاقات والمعاملات التي تحكم سير المجتمعات البشرية في حقبة تاريخية معينة وهكذا.
ومما يزيد أهمية الرحلات بصفتها مصدراً معرفياً مهماً أن الرحَّالة يحرص على الاتصال بالأشخاص العاديين الذين هم عادة يعبرون عن انطباعاتهم وانفعالاتهم بعفوية واسترسال لا تثقله قيود التحفظات بحكم أنهم يتحدثون في مجالسهم، ومع أشخاص يشاركونهم، حياتهم، ويزيد التألق تألقاً أن تُصارغُ الرحلةُ بأسلوب أدبي مميز، ولا سيما إذا كانت لدى كاتب الرحلة ذائقة أدبية وبلاغية ثرية.
ومعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي رحالة متميز، وأحسب أن الله عز وجل قد ضرب له بتوفيقه بسهم وافر في أدب الرحلات حيث يملك دقة متناهية في وصف الرحلة والتعريف بدقائقها فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما هو في متاحات البشر إلا سجله وسلط عليه إضاءات تكفي لإشباع نهم المتلقي بما يملكه من قدرات وتوفيق في مجال تصيد تساؤلات وتوقعات المهتمين بمتابعة أخبار الرحلة، كما رزقه الله توفيقاً آخر يتمثل في أسلوبه السهل الممتنع عند عرض عناصر رحلته، وأين العجب في ذلك وهو قد حاز ميدالية الاستحقاق في الأدب عام 1394هـ، فإذا تحدث عن رحلاته بلسانه فستجد أنه يشد المستمع له بما يملكه من أدوات التأثير واللغة المحببة ونبرات صوته المميزة والترابط المنطقي بين ما يعرضه من مواقف وأحداث ورؤى، مع حرصه على نطق الأسماء والمسميات كما ينطقها أهلها، وغوصه كثيراً في تعليل مدلولاتها.
من المؤكد من وجهة نظري أن بعض الرحلات تكتسب خصوصية تضفي عليها مزيد أهمية، وهذه الخصوصية ترجع حيناً إلى طبيعة الرحلة، وأحياناً إلى صاحب الرحلة، وأحياناً إلى مكانها، وأحياناً إلى زمانها، وأحياناً إلى الظروف المحيطة بها، ولكني في رحلات الشيخ العبودي أكاد أجزم أن صاحب الرحلة يفيض على كل رحلة من رحلاته شيئاً كثيراً من ذاته وذائقته فتكتسب بذلك أهمية وخصوصية، والله يرزق من يشاء بغير حساب.
هذا عن الجانب الذاتي في تكوين شخصية الشيخ العبودي ومَلَكاتِه الشخصية، أما عن الرصيد المعرفي والثقافي عند الشيخ العبودي فإن نظرة عابرة إلى مؤلفاته عن رحلاته التي شملت كل قارات الأرض وبلغت أكثر من مائة وخمسين كتاباً بعضها مازال مخطوطاً، إضافة إلى تأليفه الموسوعي المعجم الجغرافي عن (بلاد القصيم)، ومؤلفاته الأخرى التي بلغت ستة عشر مطبوعاً استفاد فيها من رحلاته تلك سوف تنبئك حق البيان عن حجم ذلك الرصيد الضخم، حتى يكاد المتابع له يجزم بأن الشيخ العبودي قد طاف الأرض كلها، ويؤيد ذلك أن كثيراً من المثقفين ولا أقول من عامة الناس لا يعرف كثيراً من أسماء البلدان التي زارها في رحلاته على الخارطة فضلاً عن الواقع وربما لايُحسن النطق الصحيح لأسمائها، حيث ستجد في سجل زياراته استراليا وإندونيسيا والفلبين والهند والصين وجمهوريات الموز هندوراس ونيكارقوا وكوستكاريكا والبرازيل وغيانا وسورينام ودول أفريقيا ودول أوروبا وروسيا البيضاء وروسيا الحمراء وداغستان وجورجيا وسيبيريا وأقصى جنوب المحيط الهادي وغيرها، بل ستجد حديثاً ماتعاً عن مناطق نائية في تلك البلدان لم يسمع بها الكثير!
الشيخ محمد بن ناصر العبودي هذا العَلَم الجهبذ، الذي ولد في مدينة بريدة بالقصيم عام 1349ه 1930م، قدَّم لدينه ولأمته ولوطنه الكثير؛ مخلصاً نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، وفوق ذلك فهو يتزين بتواضع جَمّ يضفي على شخصيته مهابة وسمتاً، ولا غرو في ذلك فهو من حيث التلقي من تلاميذ الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي عام المملكة رحمه الله وكان من الملازمين للشيخ عبدالله بن حميد من كبار علماء المملكة رحمه الله وهو من حيث الممارسة عمل أميناً عاماً للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم وكيلاً لها ثم أميناً عاماً للدعوة الإسلامية برابطة العالم الإسلامي ثم أميناً عاماً مساعدا للرابطة.
ولتسليط الضوء على جانب آخر من شخصية الشيخ العبودي أقول: إن الحوار ركن ركين من خصائص كل رحَّالة؛ لأن المفترض أنه إنما يحصل على كثير من المعلومات في رحلاته عن طريق الحوار مع الأشخاص الذين يلتقيهم فيستنطقهم ليجيب عن التساؤلات التي تثيرها مشاهداته، ولذا فقد تنوعت موارد ثقافة الحوار عند الشيخ العبودي، فمع التحصيل العلمي في حجرات الدرس، ومع التلقي من الشيوخ مشافهة وسلوكاً، فإننا نجد في دفاتر سيرته الذاتية مشاركات كثيرة في المؤتمرات والندوات في الداخل وفي الخارج، فهذه الموارد التي نهل منها الشيخ العبودي لا ريب أنها صقلت قدراته الحوارية؛ ثمرةَ الدّربة والتلاقح الفكري والتواصل مع الآخرين بحكمة وإقناع، فَأثرَت رحلاته إثراءً بيِّناً، وزادت وهجَها تألقاً.
* البعيدة عن التحجر وعن الغلو، حيث يجتمع في رحابة الطهر صفاءُ العقيدة ومحبةُ كل المسلمين، وقد عبَّر عن هذه الصبغة المحمودة أبلغ تعبير من خلال روايته لجهوده في أفريقيا وغيرها بتكليف من الملك فيصل رحمه الله أكثر من مرة في كتابه (مساعدات المملكة العربية السعودية للمسلمين وبخاصة الأقليات المسلمة) وفي كتابه (وراء المشرقين: رحلة حول العالم وحديث في شؤون المسلمين).
هذا وبالله التوفيق.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 8:00 صباحاً

إبراهيم بن أحمد الصقعوب
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

التكريم المستحق

هناك شخصيات في المجتمع تتميز بصفات متعددة تجعل من يتحدث عنها يحتار في اختيار الجانب الذي يعتقد أنه يهم القارئ ليكون مدخلاً للحديث، وتكبر المشكلة عندما تكون الكتابة عن إنسان لا يميل إلى الحديث عن نفسه ولا يطربه كثيراً ثناء الآخرين عليه، ويفضل أن يسمع منهم الدعاء له بالعون والتوفيق بدل الثناء، لانه يرجو من المولى أن يلمس للدعاء اثراً على حياته اكثر اهمية من الثناء الذي يبقى اثره محدوداً بزمانه ثم ينتهي.
ومع هذا فليسمح لنا شيخنا الفاضل محمد بن ناصر العبودي أن نثني عليه في هذه الاسطر ليس من باب إيقاظ نزعة الاعجاب في نفسه ولكن ليتذكر نعمة الله عليه الذي وفقه في حياته، وحباه بصفات متميزة انعكست على سلوكه وعمله وكان لها اثر إيجابي في سنوات عمره.
لعل من أبرز هذه الصفات جلده في طلب العلم صغيراً، ومواصلة البحث والاطلاع في كبره ومازال يستمتع به ويواصل إنتاجه الفكري في مجالات متعددة إلى يومنا الحالي وكأنه في عز شبابه. وهذه نعمة كبيرة أن يمتع الله الإنسان بالصحة والعافية والقدرة على مواصلة العطاء.
والجانب الآخر هو مواصلة العمل الإسلامي والذي بدأ فيه قبل ما يزيد على اربعة واربعين عاماً عندما صدر قرار بتعيينه اميناً عاماً للجامعة الإسلامية وبعد ذلك اميناً للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ثم مساعداً للامين العام لرابطة العالم الإسلامي وفي كل هذه المواقع كان حريصاً على تأدية دوره بأمانة وبعيداً عن الضجيج الإعلامي.
ثم تحمله مشقة السفر والترحال بين قارات العالم من اجل التعرف على احوال المسلمين حتى انه في احدى رحلاته، الطويلة في مداها والقصيرة في وقتها، زار قارات العالم الخمس وعندما وصل إلى المحطة الاخيرة في الرحلة وهي القارة الاسترالية كتب عن هذه الرحلة يقول «ناهيك برحلة يكون الوصول فيها إلى مدينة سدني الاسترالية بشيراً بالاوبة إلى الوطن».
إن جميع القراء يتفقون معي على خطورة هذه المرحلة التاريخية من حياة المسلمين نتيجة الهوة التي احدثتها تصرفات بعض الجهلاء من ابنائه تجاه الآخرين، حيث اصبح ينظر إلى العمل الإسلامي بكثير من الريبة والحذر، ويصل الامر احياناً إلى حد الرفض لهذه الأنشطة، ولقد كان الشيخ العبودي الذي تشرف بخدمة الدعوة الإسلامية مبكرا ونجح في إقامة علاقات طيبة بين قادة العمل الإسلامي والمسئولين في المملكة، وكان وسيط خير يحمل الرأي السديد والدعم المادي من هذا البلد الكريم، واهتم كثيرا بإقامة علاقات طيبة مع الجميع، وهذا اتاح له مساحة واسعة للحركة تمكن من خلالها من نقل الدعم للكثير من المؤسسات الإسلامية في ارجاء العالم وكان محل الترحيب من الجميع ليس بسبب ما يحمله من دعم مادي ولكن بسبب سماحته التي اكتسبها من سعة علمه الشرعي وشمولية ثقافته.
وإذا كانت ظروف العمل الإسلامي اليوم قد تغيرت كثيراً فإننا بحاجة إلى جيل جديد من الدعاة الذي ينهجون نفس منهجه في التعامل مع الآخرين لكسب ودهم واحترامهم، ومواصلة التعريف برسالة الإسلام السمحة التي تتعرض للكثير من التهم الباطلة.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 7:57 صباحاً

د. عبدالحليم العبد اللطيف
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

الشيخ محمد العبودي وفكره التربوي

إن دراسة وإظهار سير أولئك الرجال ذلك الأنموذج الرفيع من أبناء هذا البلد العزيز يلقي ظلالاً رفافة «حية» بهية «وندية» عبقة وعميقة، وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة ومعنى في حياة الأمة وخاصة الشباب الذين يفترض فيهم أن ينهجوا منهج الكبار ويتمثلوا طريقهم، وأنا هنا عندما أكتب عن فكر الشيخ محمد العبودي التربوي أجزم أن الجوانب الأخرى من سيرته العطرة ستغطى من قبل أصحاب الشأن وفرسان الميدان من الأدباء والكتاب وأصحاب القلم السيال، فالشيخ محمد بحكم مواهبه الكثيرة وعلمه الغزير والبصير أيضاً قد كتب وأطنب وأطرب في فنون عدة منها على سبيل المثال والتميز (المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية بلاد القصيم وهو فذ في بابه، تحقق به الربط بين الماضي والحاضر، وقد تميز بشموله وسعة مباحثه كذلك كتابه النفيس معجم أسر القصيم الذي أصبح مرجعاً مهماً في بابه، ينهل منه الكبار، أما الأدب بفنونه المختلفة فقد لمع فيه وتميز خاصة أدب الرحلات حيث زار العديد من دول العالم موفداً من قبل هذه الدولة الرشيدة يحمل الخير والنور والعطاء الثر سواء منها ما كان وقت مسئولياته في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، أو في رابطة العالم الإسلامي، إن شيخنا الكريم قد نهل من معين علماء بريدة وارتوى خاصة وشيخه وأستاذه الأول سماحة الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد العالم النحرير الفطن اللبيب الذي لمع كثيراً في مجالات عدة وخاصة القضاء والتدريس، فكان الشيخ محمد من أميز طلابه وأكثرهم التصاقاً به هو وأستاذنا الكبير سعادة الأستاذ علي الحصين طيب الله ثراه، راجياً أن تتاح لي الفرصة بحول الله لإطلاع القارئ الكريم على فكر هذا الرجل أعني الحصين ووطنيته وحبه للعلم والتعليم وبذله والسعي الحثيث لتحقيقه، أما موضوع حديثنا اليوم فهو الشيخ الأستاذ محمد بن ناصر العبودي متعه الله بالصحة والعافية الذي كان بحق وصدق أنموذجاً حياً وفريداً في القيادة التربوية الصحيحة، وهي ما سأتعرض له الآن بحسب المقام فهو حفظه الله لم يتول القيادة التربوية بدون تربية علمية وخلقية وتزكية نفس بل مكث طويلاً تحت سمع وبصر وإشراف دقيق من قبل علماء أجلاء أمثال شيخه الأول عبدالله بن حميد رحمه الله ثم لما تولى القيادة التربوية في معهد بريدة العلمي أصبح أنموذجاً حياً، للإداري الناجح والقائد التربوي المسدد. كان مربيا قديراً أحبه طلابه وإخوانه وزملاؤه، غرس أثناء تلك الفترة غراساً كريماً نفع الله بعلمه ومواهبه القيادية الفذة ونصحه وتوجهه وتوجيهه شباب وطلاب معهد بريدة العلمي الذين هم الآن في أماكن مختلفة من أجهزة الدولة هذا، ولقد اقترن اسمه كثيراً بهذا المعهد بصفته أول مدير له وهو المؤسس بحق لهذا المعهد الذي نفع الله به البلاد والعباد وكان خيراً كثيراً وعطاءً متجدداً لا لمنطقة القصيم وحدها ولكن لأماكن عدة داخل البلاد وخارجها، هذا ولقد عرف عن شيخنا أمد الله في عمره الحزم والعزم والأمانة والإخلاص والمتابعة الجادة والمفيدة، كما عرف وبحق بالتفوق العلمي والتأصيل التربوي والتميز المعرفي وحسن التوجيه وسلامة القصد، وبعد النظر وسعة الصدر وبعد الأفق، كما أنه عديم المشاكل مفتاح للخير مغلاق للشر ينزع إلى الهدوء والسكينة واللطف والعطف والملاينة والملاحظة في عمله يكره العنف والشدة والاثارة والتسلط، وهو من الرعيل الأول الذين أثروا العملية التعليمية في المنطقة، وغيرها ورسموا الخطوط العريضة لمن بعدهم، كما كان مد الله في عمره فكها لطيف المعشر يألف ويؤلف مجلسه كله أنس ومؤانسة لا تمل الحديث معه، لديه معرفة تامة وإحاطة شاملة بالكثير من الأمور، يتذوق العديد من الفنون المفيدة تستفيد كثيراً من الجلوس معه، فمعلوماته غزيرة وتجاربه كثيرة وفريدة وخبرته واسعة، لكنه كحال الكبار يؤثر السمت في وقته ولا يتحدث بدون مناسبة أو حاجة داعية يحبه الكثير والجم الغفير ويأنسون بقربه ومحادثته هذه حاله وبعض خصاله الطيبة كما عرفناها نحن طلابه في منطقة القصيم، أما بعد أن انتقل إلى المدينة النبوية ليساهم في تأسيس الجامعة الإسلامية فيها وقد اختاره من يعرف الرجال حقاً سماحة مفتي المملكة ورئيس قضاتها سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم طيب الله ثراه فكان شيخنا محمد على مستوى المسئولية وأهلاً للأمانة التي أنيطت به، فأرسى هو وخيرة من أبناء هذه البلاد وعلى رأسهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وبدعم ومؤازرة من هذه الدولة، دولة التوحيد والتجريد أقول أرسوا قواعد هذه الجامعة على أساس مثير وأمين توالت خيراتها وكثرت عطاءاتها ونفع الله بها وبخريجيها بلاداً عديدة، أمدوا هذه البلاد بالعلم الصحيح وبالعقيدة الصافية وسهلت لطالب العلم أن ينهل من معينه في طيبة الطيبة ذات الأصالة والتميز فكان شيخنا، الكريم يذهب لهم في ديارهم شارحاً وموضحاً وداعماً، فأتى الشباب والطلاب من كل مكان إلى هذه الدوحة الظليلة، هذه البلاد الطيبة، وكان لأسلوبه المميز وقدراته التربوية والقيادية أعظم الأثر في ذلك حتى أصبحت هذه الجامعة بفضل الله ثم بفضل هذه الدولة المعطاءة، ثم بفضل هؤلاء الرجال أقول أصبحت هذه الجامعة بحمد الله مضرب المثل، ومعقد الأمل، ومحط الرحال لطلاب العلم والمعرفة، ثم بعد ذلك انتقل شيخنا إلى رابطة العالم الإسلامي مساعداً للأمين العام فواصل جهده وعطاءه المميز، وفي الرابطة مجال رحب وخصب لأمثاله من القادة التربويين الذين ما فتئوا ينشرون فكرهم وعلمهم للناس، وتلك إحدى نعم الله عليه كما انها إحدى المواهب التي كرمه الله بها، وهذه السمة الفريدة هي التي تعطي للحياة وللإنسان الخير والصلاح والإصلاح وان الدارس لفكر شيخنا حفظه الله وأعني الفكر التربوي يجد فيه شخصية إيجابية فاعلة بسيطة منتجة مستمتعة راضية، وهو بحق يمثل جيل الكبار من علمائنا الأخيار في سمته ووقاره، وهدوء نفسه وحبه للعلم والشغف في تحصيله، والبعد عن الاهتمام بالدنيا حاله في ذلك حال العلماء العاملين النابهين، وهذا جزء مما تعلمه وحصل عليه من مجالسته للعلماء العاملين الذين أتيت على بعض منهم في صدر هذه الكلمة، إنني وبهذه المناسبة الطيبة مناسبة الحديث الشيق عن شيخنا العبودي حفظه الله أدعو الشباب والطلاب للاقتداء والاهتداء بهؤلاء الرجال الذين أعطوا لأوطانهم وأمتهم ودينهم الشيء الكثير. إن التشبه بهم فلاح ونجاح وصلاح:
فتشبوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاحُ
حيث تتسامى في شخصية المسلم القدوة الحسنة، وهذه القدوة الطيبة تكشف لهم طريق الحق والخير وتنير لهم مسالك الحياة فيمضون على هدى مترسمين معالم الرشد والإصلاح فتتميز شخصياتهم عن غيرهم وترتقي بالقدوة الصالحة شخصياتهم وتسمو منزلتهم حيث للقدوة الطيبة أثر بين في تهذيب النفس وصقلها وتربيتها تربية جادة فاعلة وإذا كان للعلم أثره الأصيل والنبيل في بناء الشخصية فلمن يحملونه مكانتهم المرموقة وأثرهم الذي يثري الحياة بالنور والأمل ثم العمل.. هذا والله الهادي والمعين.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 7:56 صباحاً

عبدالعزيز المسند
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

العبودي.. ذاكرة لا تخطئ

من الأمور المسلم بها أن الحكم على الأشخاص لا يكون مطابقاً ومقبولاً إلا إذا كان المتكلم قد عامل الشخص أو سافر معه، وقد أتيح لنا السفر معاً عدة سفرات إلى بلاد الله البعيدة مثل البرازيل والمكسيك ودول أخرى.. لا قينا فيها التعب والمفاجآت مما يظهر الصاحب في السفر على حقيقته، وكانت رحلاتنا في الدعوة إلى الله. فوجدت في الشيخ العبودي ميزة ينفرد بها وهي الذاكرة وعدم النسيان. فأي حادثة أو منظر أو كلمة مرت بنا وسمعها فلن تفوته، وأي مكان رأيناه فلن ينساه، وكنا إذا أردنا الرجوع لاسم أو مكان لا تحتاج لتقليب الورق إذ ذاكرة الشيخ معنا، وهذا ما اتاح له الحديث عن الناس والبلدان بإسهاب، وإن كان قد مر عليها سنوات، وعنده ظاهرة التسجيل كتابة، فهو يكتب ويسجل ما لا يستهوي غيره من البلاد والناس وحركاتهم.
ولديه صبر وتحمل لا يشاركه فيه غيره، فتراه في الغربة يعيش على الكفاف ويتحمل التعب في نفسه وبدنه وصبره على أذى الناس، ويضع نفسه في المخاطر في أدغال أفريقيا أو غابات الأمازون، وأذكر أننا تعرضنا لأخطار مخيفة مثل وصولنا إلى مطار بلد في أمريكا الوسطى أثناء الليل ولا نعرف أين نذهب، فيسير بنا سائق السيارة في أدغال وظلام منذر بالخطر، ثم ينجينا الله وإذا قابلنا المسلمين في النهار حمدوا الله وقالوا لقد أنقذكم الله من موت محقق فهؤلاء مجرمون وأنتم غرباء وإذا علم أنكم من السعودية فالخطر أعظم.
وأذكر اننا وصلنا إلى (سلفادور) في أمريكا الوسطى بعد الساعة الثانية عشرة حيث ظروف الطيران تضطر لذلك وبعد شد للأعصاب أوصلنا السائق إلى فندق، ونحن متعبون فرمينا أنفسنا في غرفة بدون نور، ونمنا وفي الصباح اتصلنا بالمسلمين وهم قلة فعجبوا وقال: إن هذا الفندق مقر المجرمين.
وبساطة الشيخ محمد وتضحياته تجعله يصل إلى كل بلد أو قرية ويعيش مع كل أحد.. وقد تكونت شخصيته من البداية بسبب صحبته للعلماء ثم العمل معهم. ثم انخراطه في سلك الدعاة فصار السفر جزءاً من حياته.
ومن الأمور التي أتاحت له هذه الشخصية المتميزة عدم انشغاله بأمور الدنيا والبيع والشراء وبعده عن تجربة الزواج مما يعجبه أو من بلد اضطر إلى الاقامة بها مدة طويلة، وبعده عن مظاهر الحياة والبذخ والسكن في الفنادق المتميزة التي يرقب المجرمون الخارجين والداخلين منها وإليها.
وفي الختام فهو شخصية متميزة في كل أحوالها.. ولا يستطيع مسايرته والاستمرار معه في بلاد الله الواسعة إلا من هو مثلي في التضحية والجلد.. والله المستعان.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 7:53 صباحاً

د.محمد بن سعد الشويعر
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

الشيخ العبودي.. واتساع المعارف
كلمة مأثورة قالها أحد الشعراء: لا بأجدادي شرفت بل شرفوا بي، تنطبق على الشيخ محمد العبودي: الأديب الرحالة.
ذلك أن كثيراً من الناس، وخاصّة في الخارج، يعرفون الشيخ العبودي، بأنه الرجل الداعية، الذي يجوب البلاد في رحلات عالمية متتابعة، يعيد معها ذكرى: رحلات ابن بطوطه المغربي، إلا أنه أوسع منه انتشاراً، وأكثر عطاء.
فابن بطوطه زار دياراً محدودة بالنسبة لمقاييس هذا الزمان، ذكرها في رحلته المطبوعة في مجلدين، لكن الشيخ محمد العبودي، في رحلاته التي عبّر عنها فيما دون من كتبه، التي تزيد على الثمانين، وفيما قدم من ملفات إذاعية استمرت سنوات.. وما بقي في ذاكرته أكثر.
تلك المعلومات الشيقة في أحداثها، الرصينة في طريقة عرضها، لأنها تشدّ المستمع في تسلسل الأحداث وطريقة العرض.. بأسلوب هو من السهل الممتنع.
ففي هذه العطاءات يتبين للقارئ المقارن، أن الشيخ العبودي قد فاق ابن بطوطه في الكم والكيف، الكم في البلدان التي زار، والكيف بما انصهر فيه، وتابعه ووثقه من عادات الشعوب وحالة المسلمين هذا الجانب الذي يهتم به كثيراً.. ويبرز لمن يتابع ويهتم بهذا الجانب.
ويصح أن نطلق عليه تجاوزاً: ابن بطوطة القرن الحادي والعشرين، إذ ما كتب ورصد، يعطيه وصفاً مميزاً، يفوق ما تعرض له الرحالون، قديماً وحديثاً، بالرصد والتوثيق والانصهار مع الشعوب التي زار ديارهم.
ولئن جدّ في العصر الحاضر: ما أسموه بأدب الرحلات، فإن جهد الشيخ العبودي، وبما أعطاه الله من ملكة أدبية، وقدرة لغوية، فإنه قد صاغ رحلاته العديدة، بأسلوب أدبي هو من السهل الممتنع، حيث يخاطب المشارب المتعددة، بما يتلاءم معها جميعاً، بالايجاز غير المخلّ، وبالمعلومات الواضحة التي يدركها كل قارئ.. مع العرض المشوق، الذي يأسر ذهن المتابع ويشده: قراءة أو سماعاً.
فعرف لدى المتابعين لهذا الجانب عند الشيخ محمد العبودي بأنه:أديب الرحلات، بالرحالة المتنقل، وبواصف هموم المسلمين، وبالكاشف لعادات وتقاليد الشعوب... بل كل يصف رحلات الشيخ العبودي من الزاوية التي تراءت له، وهو يتابع بشغف ما طرح في كتبه، وما يذاع عن رحلاته.
أما الجانب الثاني: في شخصية الشيخ العبودي، فهو دخوله ميدان الأدب من غير تكلفّ، فهو أديب بفطرته وإحساسه، وناقد لم يقرأ تقنين النقد الحديث، المستمد من اصطلاحات علماء الغرب، الذي أخذه بعض المتأدبين عنهم: تقليدا أو محاكاة أو مترجماً مستحسناً.
بل نرى ا لشيخ الأديب العبودي يغوص في الميدان، بما ظهر للقارئ مما طبع له أو بما هو جاهز عنده ينتظر النور، بقدرة الأديب المتمرس: فكراً وخيالاً خصباً، المستمد من اطلاعه ومخزون معلوماته، صاغ ذلك بخيال خصب، يشدّ القارئ: فيكون ما عبر عنه، بأنه خيالي، كما في كتابه المطبوع: حكايات تحكى، وفي مطوّع في باريس، والمقامات البلدانية، اللذين ينتظران الخروج إلى النور.
يتراءى للقارئ أن ما رصده قلم الشيخ العبودي، وما تفتق عنه خياله، ما هو إلا حقيقة.. إنه لا يبالغ ولا يطبع بطل القصة، بأنه لا يغلب ولا يموت، ويخرج من كل حادثة مهما كانت سليماً لم يخدش بجرح.. كما في «طرزان» كما هو الشأن عند بعض الكتاب، مما يجعل القارئ في حيرة: بين حال الحكاية وواقع المجتمعات.
لكنه في عطائه الأدبي يختلف عن أولئك، يما يعطيه من تناسق فني، يتسلل في الوقائع، مما يجعله يعرض الحوادث التي تمر بكثير من الناس، وتوقع البطل في الشبكات المنتظرة لمثله في كل مجتمع أن يقع فيها فلا يزكى البطل بل يخرجه حسب حاله: فائزاً أو خاسراً.
والذي يقرأ هذا النوع من الأدب عند العبودي، يدرك تفاعله مع المجتمع، وانصهار حواسه مع البيئة التي نبتت منها الحكاية، فيرتفع خيال القارئ مع حوادث مماثله عايشها أو سمع عنها في حياة الناس ليعتقد أن هذه الحالة ما هي إلا ما حصل لفلان من الناس.
وهذا من رصانة الأديب، وتفاعله مع الوقائع، وأسلوب العرض، لأنه منصهر في حياة الناس، لإحساسه بما يدور في بيئاتهم.
ذلك أن الشيخ العبودي مهتم بربط عطائه العلمي والأدبي بطابع المجتمع عندنا قبل زمن الأمن والاستقرار، وما تبع ذلك من تغير في نمط الحياة، وبذلك يتمازج عنده: ربط الحديث في حياة الأمة، بالتاريخ الاجتماعي، الذي ينتقل فيه بالقارئ لما في مجتمع ذلك الوقت.
والجانب الثالث: في ثقافة الشيخ العبودي، نراه يستمده من بيئة القصيم، وهذا الجانب ذو شقين:
1 الأمثال الشعبية. 2 المعجم الجغرافي.
وكل منهما من أجزاء متعددة استوحى معلوماتها بجده وجهده ومتابعة أيام حيوية الشباب من منطقته التي ترعرع فيها: حباً للوطن وارتباطاً بالبيئة.
فالأول: له فيه ميزة تختلف عن غيره ممن كتب وألف في الموضوع: فهو يقارب بين المثل الشعبي والمثل العربي الفصيح، ليجد بين الحالين تلازماً، يبرهن على أن الفكر العربي لا يتغير والبيئة واحدة قديماً وحديثاً، فما يصدر من مثل أو حكمة، فهو نابع من إحساس ووقائع متماثلة عن الشعوب.
ومقارنته هذه تحكي واقع العرب: قديماً وحديثاً، وتعطي انطباعاً عن تفكيرهم وثقافتهم، وأن اللغة الفصحى والشعبية جذورها واحدة.
وكل ذلك في المماثلة والمشاكلة، يستمد من معين ثابت، وقاعدة أساسية هي قاعدة الإسلام وتعاليمه.. بحيث نرى هذا أساساً يتركز عليه عطاؤه وخياله.
والثاني: عن المسميات والمواقع في القصيم: وهذا رصد مهم، لأن أبناء هذا الزمان قد نسوا كثيراً من المسميات بعد توافر المواصلات الحديثة والطرق المعبدة.
فكانت المقاييس والمعالم بوسائل السفر السريع السائق اليوم: طائرة وسيارة، تختلف عما كانت عليه بالأمس: دابة أو ترجلاً.. مما يعني أن كثيراً من المسميات التي اهتم برصدها الشيخ العبودي، قد يأتي يوم تندرس فيه.. لو لم يقيض الله من اهتم بها ورصدها، حي تحمس الشيخ حمد الجاسر، رحمه الله في دار اليمامة للنشر والطباعة.. بهذا الجانب، وتعاون معه عن كل جهة من بلادنا، من إعانة على رصد حصيلة جيدة عن الجزيرة العربية، خرجت في سلسلة من: دار اليمامة.
وقد اختص ا لشيخ العبودي بمنطقة القصيم.
وقد كان من سمة العبودي في مؤلفه هذا الاهتمام بأمور منها:
الشواهد والوصف، وربط بأصله عند العرب القدامى، من أيام الجاهلية، وما يتعلق بالموقع من أحداث ووقائع.. كما عمل الشيخ محمد بن بليهد في كتابه: صحيح الأخبار، إلا أن الشيخ محمد العبودي، قد قصر عمله على منطقة القصيم، وهي منطقة واسعة والشيخ البليهد كان أوسع منه نطاقاً فيما مرّ به من معلومات عن بلاد العرب كلها.
وهناك جوانب عديدة في ثقافة الشيخ محمد العبودي، فهو قصصي ونسابة، وصاحب نوادر وملح، وحكايات ومسامرات..
هذه الجوانب التي ألف فيها: خرج للنور شيء، وبقي مستتراً الأكثر، مما يعطيه وصفاً، بأنه أنيس المجالس وموسوعة متحركة.. زانها ما وهبه الله له من ذاكره جيدة تختزن الشيء الكثير من المعارف مع قدرة على تصيّد ما يناسب المقام.
ولا يعدم من يجالس الشيخ العبودي: أن يجد لديه حديثاً لكل حادثة، وشاهداً على كل موقف.. وهذا من اتساع ثقافته سواء منها المقروء أو المسموع.. ويبرهن على ذلك كثرة انتاجه العلمي وتطرقه في هذا الإنتاج لجوانب عديدة، من الثقافة، ولعله آخذ في هذا بالمفهوم الإصطلاحي عند العرب، عن الأدب، بأنه الأخذ من كل جانب بطرف.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 7:01 صباحاً

د. أحمد بن محمد الضبيب
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

العبودي .. الباحث الاديب
عرفته أول مرة دون لقاء عندما أصدر القسم الأول من كتابه: (الأمثال العامية في نجد)، كان ذلك في أواخر الخمسينيات الميلادية، وعلى وجه ا لتحديد سنة 1959م. كنت حينذاك في مصر على وشك التخرج من جامعة القاهرة، وقد اشتريت الكتاب وضممته إلى مكتبتي في 11/2/1960م، على ما سطرته آنذاك في صفحة العنوان، وزدت على ذلك بأن قمت بتجليده وذلك شأني مع الكتب التي تهمني.
كان الشيخ آنذاك مديراً للمعهد العلمي في بريدة، ولم أكن أعرف عنه شيئاً لكن كتابه الرائد كان بالنسبة لي فتحا جديداً فلأول مرة تجمع أمثال هذه المنطقة، وتفسر ويوازن بينها وبين ما ورد في التراث القديم من جهة وما يدور من أمثال في البلاد العربية الشقيقة من جهة أخرى، وكان أسلوب الكتاب رصيناً ينحو إلى إثبات الوشائج بين لهجة أهل نجد وفصيح العربية، كما كان المؤلف حريصاً على إيراد الشواهد الشعرية والأقوال المأثورة التي تستمد منها تلك الأمثال أو تدخل ضمن إطارها الثقافي. وباختصار كان عملاً مميزا بين كتب الأمثال العربية المعاصرة، ولذلك فقد قرأته آنذاك باستمتاع، وعلقت على بعض صفحاته، ومن تعليقاتي أنني لم أوافق المؤلف الكريم عندما انتصر لرأي الأصمعي ففضله على رأي أبي عبيد البكري في تفسير المثل «سمنكم في أديمكم» فقد فسر الأصمعي الأديم بأنه: الجلد، بينما رأى البكري أن الأديم: هو الطعام المأدوم قلت ويؤيد ما ذكره أبو عبيد أن المثل في الحجاز: «سمننا في دقيقنا» وبهذا يكون للمثل معنى ومضربا واضحين.
لم يكتف الشيخ بهذا الجزء الذي أصدره من عمله المتميز الذي ضم 1000 مثل مرتباً حسب حروف الهجاء، وإنما رأيناه فيما بعد يتابع نشر «الأمثال العامية في نجد» في مجلة «العرب» ابتداء من المجلد الثاني، ثم أعاد الشيخ إصدار هذا العمل كاملاً فجاء في خمسة أجزاء بلغ عدد أمثالها 3000.
هذا العمل الذي أحسبه الأول للشيخ العبودي كان خير تقدمة له في عالم الكتابة والتأليف، فقد عرفناه فيه باحثا مدققا رصينا، وهو أمر قلما نجده في الأعمال الأولى للمؤلفين، كما عرفناه ظريفا واسع الاطلاع يتمتع بروح أدبية عالية.
وتصدى الشيخ العبودي مرة أخرى لقضية ريادية كبرى، هي تأليف المعجم الجغرافي لمنطقة القصيم، في إطار المشروع الضخم الذي نادى به العلامة حمد الجاسر لكتابة المعجم الجغرافي للمملكة. فأصدر ستة أجزاء في هذا العمل الضخم بنى مادته فيها على الخبرة الميدانية فجعله معجماً حيا يعتني بالموجود المذكور من المواضع في هذا العصر، أما المعلومات التراثية حول الموضع فتأتي في سياق المادة لكنها ليست الأساس في بناء هذه المادة. وبذلك يخالف العبودي خطة العلامة حمد الجاسر في التركيز على المعلومات التراثية ورد الموضع إلى اسمه القديم المذكور في كتب التراث.
ويبدو العبودي أديبا نابها دقيق الملاحظة، جميل الأسلوب من خلال ما كتبه في أدب الرحلات فقد أصبح بحق ابن بطوطة هذا الزمان بما أصدره من عشرات الكتب التي وصف فيها البلدان ما زاره من بلاد العالم في مهمات رسمية، فكتب عنها بعيداً عن الأمور الرسمية بعقل متفتح ونظر فاحص، ناقلاً إلى قارئه كل طريف وغريب من عادات الأمم التي زارها ذاكراً ممارساتها الدينية والاجتماعية، وملامح الحياة الأخرى، إلى جانب الوصف الطبيعي والجغرافي لتلك البلدان.
تلك في تصوري هي الأعمال الريادية الكبرى التي جعلت من الشيخ العبودي علما بارزا في دنيا الثقافة لدينا وللشيخ أعمال أخرى كثيرة بين تأليف وتحقيق، بعضها اطلعنا عليه، وكثير منها لم نطلع عليه، وإنما سمعنا عنه ولم نره، ولا شك أن جميع أعماله جديرة بالتنويه والدراسة.
مد الله في عمر رائدنا الشيخ محمد بن ناصر العبودي، ووفقه إلى العمل المثمر في خدمة العلم والثقافة.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 6:59 صباحاً

علي سعد القحطاني
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

الداعية المستنير
لقد كان يحلم أن يجوب العالم شرقا وغربا من أجل العمل على نشر الدعوة الإسلامية، وكان أول رحلة له في «أفريقيا الخضراء» من أجل البحث عن طلاب أكفاء يلتحقون ب«الجامعة الإسلامية» بالمدينة المنورة، ثم التحق فيما بعد ب«رابطة العالم الإسلامي» في مكة المكرمة، يجوب الآفاق، لا يحط رحاله في «مكان» إلا وقد غادرها إلى «مكان» آخر.. والمتابع لكتبه في الرحلات التي تجاوزت أكثر من مائة كتاب ما بين «مطبوع» و«مخطوط» يدرك أنه قد زار جميع بلدان العالم.
عاصر معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي أقرانه من العلماء كالشيخ حمد الجاسر والشيخ عبدالله بن محمد بن خميس والشيخ عبدالكريم الجهيمان وأضرابهم.. وأخذ يسابقهم في التأليف نحو المعاجم وتقصيِّ الأمثال، وله مقامات وقصص وروايات.. يسهب في عطائه، يرهق قلمه بمعلوماته، والمتابع لسيرته العلمية يدرك أن الشيخ لا يقف في تأليفه في بعض المصنفات العلمية عند الجزء والجزءين، بل تتجاوز عدد مؤلفاته عشرة أجزاء وكل ذلك راجع إلى سعة اطلاعه وثرائه المعرفي. ونحن نحتفي بشيخنا الجليل كشخصية مكرّمة لهذا العام في المهرجان الوطني التاسع عشر للتراث والثقافة لا ننسى أن نشيد بمدى سماحة الشيخ وسعة أفقه ورحابة صدره مع «الآخر» الذي ظل يجوب بحثا عنه في رحلاته حول العالم في ثمانين عاما وما يزال العبودي أطال الله عمره ينشد «الآخر» ويداعبه بمؤلفاته الغزيرة ك«مطوّع في باريس» من أجل أن يكسب ودّه وإيمانه ب«الآخر» نابع عن إيمانه بأن في الاختلاف رحمة والطبيعة النضرة لا تزدان إلا بجميع الألوان.
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 6:53 صباحاً

إبراهيم بن عبدالرحمن التركي
الجزيرة الثقافية 15/12/2003م

هذا الشيخ..
قال صاحبكم بعض ما لديه في «مواجهته» مع الشيخ.. فيكفيه.. ليقرأ معكم «هذا الملف» الذي نعترفُ بتأخرنا فيه... فقد نأى الشيخ «مرتحلاً»... وأنسنا «التسويف» مُعتذَراً..
** رجل لا يكفيه «ملف».. ولا يفيه «تكريم».. لكنهما مع «كتاب» الأستاذ محمد المشوّح الذي نسَّق لنا «المواجهة»، وسعى في الملف، وأصدر مؤلفه عن الشيخ في رمضان إشاراتٌ في «عبارات»..
** الملف محاولة بسيطة من «الجزيرة» التي تبنتْ بتوجيه أبي بشار تكريم «المتميِّزين»، و«الاختيار» وقفة من «الجنادرية» مع «الرواد» المؤثِّرين، وكتاب أبي عبدالله المشوّح جانب من جهوده في توثيق العطاء وتقدير «المعطين»..
** الشيخ محمد بن ناصر العبودي اسم ستتوقف أمامه الذاكرة الثقافية طويلاً... متمنين أن يفرغ لمشروعاته التي لم تكتمل..
وسنعرف ذات ادكار أنا قد عشنا في زمن «ياقوت» و«ابن بطوطة» و«الميداني» و«الفيروز أبادي» دون أن نغادر «المكان».. أو نرتحل في «الزمان».. فقد كفانا «الشيخُ» ذلك فأغنى عن «كثير»..!
* اعذر تقصيرنا..!
تمت اضافتها يوم الخميس 19/02/2009 م - الموافق 24-2-1430 هـ الساعة 6:51 صباحاً

مجموعة نقاد
الجزيرة 17/12/2003م

كم ستسجل له من حسنات في سجل أعماله، لقيامه بهذه الرحلات الإسلامية، التي زار فيها بلداناً ومدناً وأماكن إسلامية لا تعد ولا تحصى!! في دنيا الله الواسعة.. كي يتفقد المسلمين، ويتعرف ويتلمس قضاياهم وأحوالهم ويحاورهم، ويخفف عنهم أثقال همومهم ومشكلاتهم.. ويساعدهم قدر الطاقة أو المسؤولية التي وكّلتها إليه حكومته.
محمود سليمان رداوي


أحد أكثر الرحالة العرب غزارة فيما أعلم ألَّف هذا النتاج الضخم في أدب الرحلة، لم يسبقه أحد، أو يلحق به.
عبدالله حامد


كنت أسأل عنه مقر الرابطة هاتفيا فيأتيني الجواب بأنه مسافر، وقد كنت أعلم بسفره إلى الصين الشيوعية مندوبا من قبل الرابطة، ثم قيل لي: انه عاد من رحلته تلك والظاهر انه ما كاد يستقر به المقام حتى استأنف السير، فهو أبداً في رحلة بعد أخرى لمصلحة المسلمين، ولإمداد القارئ المسلم يما يُعْوزُه من علم بأحوال إخوانه المجهولين.
محمد المجذوب


الشيخ محمد كما أنه شاهد عصر يتسم عمله العلمي بالابتكار، وكم من الكتب التي ألفت في الأمثال العامية، سواء الأمثال العامية في المملكة أو غيرها، ولكن كتابه المكون من خمسة أجزاء عن الامثال العامية في نجد.
أشهد بحق أنه كتاب علمي، جمع بين استيعاب الباحث العالم والتقنين الفكري.
أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري


تمتاز هذه الرحلات بصور جميلة وطراز أدبي وتنوع في الرؤية والانطباع مما يدل على حس فني وملكة ومهارة في الاختيار والعرض والرسم ونجد متعة أدبية في قراءتها.
عبدالله الحقيل


يبدو لي أن هناك عدداً كبيراً من المخطوطات، وأنا أوجه دعوة للناشرين ولاصحاب المؤسسات الثقافية ولمن له دالة على دور النشر أن يقتحم خلوة معاليه، ويقوم بطباعة هذه الكتب.
حسن الهويمل


تمت اضافتها يوم الأربعاء 18/02/2009 م - الموافق 23-2-1430 هـ الساعة 5:14 مساءً

الصفحات :    <<  1  [ 2 ]   3  >>

 



التقويم الهجري
29
رمضان
1435 هـ

مقالات

في ذاكرة الأمكنة
 ابراهيم بن عبدالرحمن التركي

أدب الرحلة عند العبودي
د/ حسن بن فهد الهويمل

كلمات قضت
محمد بن عبدالله الحمدان

العبودي .. علوم وتنوع اهتمامات
 إبراهيم بن أحمد الصقعوب

إضاءة في خيمة الشيخ العبودي
د. عبدالله بن صالح الوشمي

الشيخ العبودي والرحلات بصبغة دعوية
 د.إبراهيم بن عبدالله السماري

العبودي.. ذاكرة لا تخطئ 
 عبدالعزيز المسند

أنيسهم و.. أنيسنا!
 صالح محمد الشيحي

محمد بن ناصر العبودي.. عُلماءٌ في علم
 عبدالعزيز الخويطر


بحث بالإنترنت

معاني الأسماء

أمثال
العود أحمد
يضرب لمن يعود عن الشر والإساءة.

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5


 

Copyright © 2008 www.alobody.net - All rights reserved

Design by marvksa